العدد 5667
السبت 20 أبريل 2024
banner
الكنز المضيع.. “ميلاد الكلمات”
السبت 20 أبريل 2024

خلّف الرحيل المفاجئ لشاعر القضية الفلسطينية الكبير محمود درويش (67 عاماً) عن عالمنا عام 2008، خلَف فراغاً قاتلاً موحشاً، وخسارة فادحة لقضية شعبه الفلسطيني يصعب تعويضها، وذلك في ظل ما يواجهه شعبه في الظروف الراهنة من حرب إبادة ونكبة جراءها، وحيث مازال حبلها على الجرار. فلم يكن درويش مجرد شاعر وقلم، بل كان يجسد بإبداعه الشعري ونثره قضية شعب برمته، لذلك يمكن القول إنه وبوزنه النضالي الكبير على صعيد تخصصه الذي بزَّ فيه، إنما يشكل حجم مؤسسة نضالية فلسطينية قائمة بذاتها، ويُعد واحداً من أخطر الأسلحة الحضارية الإنسانية الناعمة التي يمتلكها الشعب الفلسطيني في الدفاع عن قضيته. فببلاغة أشعاره، وخطاباته النثرية الثورية العقلانية أجبر حتى بعض الدول الغربية الحليفة لإسرائيل على احترامه أو تكريمه، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر تسمية إحدى الساحات في باريس باسمه، ناهيك عما حصده من جوائز وأوسمة عديدة على الصعيدين العربي والدولي، وقد كُتبت بعد رحيله الكثير من المقالات الصحافية وعدد من المؤلفات. على أن كتاب “ميلاد الكلمات” لمؤلفته المخرجة السينمائية والإعلامية الفلسطينية امتياز دياب الصادر عن “دار نون للأفلام والنشر” عام 2019، يتفرد ما بين كل الكتب التي صدرت بعد رحيله بأهمية استثنائية فائقة الأهمية، فهو حصيلة كنز ذهبي ثمين ظل مُضيّعاً مهملاً أو مجهولاً لأكثر من نصف قرن على خروج درويش من مدينة حيفا الفلسطينية إلى موسكو فالقاهرة فبيروت. وهذا الكنز يتمثل في عثور دياب - بمحض الصدفة - على كرتونة بمنزل صديقها محمد ميعاري في حيفا حيث زارته في الأصل بغرض إجراء مقابلة معه حول “حركة الأرض” التي تشكلت أواخر الخمسينيات في أراضي “عرب 48”، وكان ميعاري أحد قيادييها، وبعد انتهاء المقابلة دعاها لزيارة أرشيفه بغرض تزويدها ببعض الوثائق ذات الصلة بموضوع المقابلة، وهناك حدثت المفاجأة عندما وقعت عيناها على تلك الكرتونة المهملة، وسألته عن محتوياتها ففتحها أمامها، فإذا هي أمام الكنز المهمل في جوف تلك الكرتونة!

وجدت امتياز وهي تقلب في أوراق الكرتونة العتيقة المبعثرة 400 وثيقة هي عبارة عن مخطوطات بخط يد الشاعر الراحل، وبضمنها المسودات الأولية لقصائد نُشرت، وبعضها الآخر لم تنشر أو صرف درويش النظر عنها، ومن أبرز تلك القصائد "سجل أنا عربي"، "بين ريتا وعيوني بندقية" وغيرهما من القصائد، هذا عدا ما عثرت عليه المؤلفة بمعية ميعاري على رسائل تلقاها من الروائي الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني والشاعرين الفلسطينيين سميح القاسم وراشد حسين، فضلاً عن رسائل من معجبين ومعجبات بشعره من "عرب 48".
والكتاب الذي بين أيدينا وقد صدر في مجلد فاخر عريض أشبه بألبوم صور أنيق يتكون من 17 فصلاً: الأول رسائل أصدقاء محمود درويش إليه، والثاني رسائل عائلة محمود درويش إليه، والثالث: رسائل حُب من وإلى محمود درويش، والرابع: رسائل محمود درويش إلى محمد ميعاري، والخامس: رسائل منفردة من شخصيات مختلفة، والفصل السادس: بطاقة هوية "سجّل أنا عربي"، والسابع: اللحظة الثانية: عاشق من فلسطين، والثامن بعنوان "دفتر معسياهو" وهو اسم السجن الذي سُجن فيه، والتاسع: كيف كان محمود درويش يُنشئ قصيدته، والعاشر: محمود درويش والأوامر العسكرية، والحادي عشر: محمود درويش والرقابة الصحافية، والثاني عشر: شهادات، والثالث عشر: للأوراق ضفاف أخرى، والفصل الرابع عشر: مسودات وقصائد غير منشورة، والخامس عشر: مختارات من مفكرة محمود درويش، والسادس عشر: من دفاتر دواوين الشعر، وأخيراً الفصل السابع عشر: محمود درويش ومقتطفات من الصحافة.
الكتاب كما نرى ذو أهمية استثنائية في إلقاء المزيد من الضوء - ومن خلال الأوراق الشخصية للشاعر درويش نفسه - على مرحلة مهمة من حياة الشاعر داخل وطنه المحتل، تبدأ من طفولته وتنتهي بسنه الشبابي اليافع (مطلع الثلاثينيات من عمره)! برحيله إلى خارج فلسطين عام 1972. وإذ بدا أن غاية المؤلفة من تأليفه تنسيق وإبراز وثائق الكنز وتبويبها تبويباً جميلاً على نحو ما جاء في عناوين الفصول، فإنه يستحق أن يتناوله في كتاب منفرد باحث فلسطيني مختص ومطلع جيداً على سيرة درويش، لتحقيق تلك الوثائق والتعليق موضوعاً على نتاجاته الإبداعية الفتية في تلك الفترة بالترابط مع الظروف السياسية والاجتماعية بالغة القسوة التي عاش في ظلها تحت قوانين الحكم العسكري الجائرة، حيث ظل تارة تحت الرقابة المشددة على تحركاته، وكثرة الاستدعاءات لضبط تلك التحركات، وطوراً زجه في المعتقلات الإسرائيلية!
وسيظل إهمال هذا الكنز أشبه باللغز، إذ تفرض نفسها تساؤلات عن سر نسيان هذا الكنز طوال هذه المدة الطويلة سواءً من قِبل درويش صاحب الكنز، أو من قِبل صديقه صاحب المنزل الذي أودع فيه الكنز. كما أن الكنز - الكرتونة لا يبدو أن درويش قد تذكره لدى زيارته مدينة حيفا قبل عام من وفاته (2008) وإن كان من المشكوك فيه تماما لو تذكر هذا الكنز المهمل وطلب من صديقه أن يقدم على نشره لما يتضمنه من وثائق خصوصية، وعلى الأرجح إما أن يتخلص منه برمته أو بمعظم ما يحويه.

* كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية