العدد 5449
الجمعة 15 سبتمبر 2023
banner
شراسة التشتت وقضم نصف الرغيف
الجمعة 15 سبتمبر 2023

إلى أي مدى بوسع فنان ممزق بين الأدب والتمثيل والإخراج السينمائي أن يؤثر في مجرى الحركة الأدبية في مجتمعه؟ هناك شخصيات وجدت نفسها أسيرة بين سحب عالية ومنخفضة وتظل تمشي وتمشي حتى تصل إلى منعطف رهيب، لكن للأسف لا تستطيع تجاوزه، ومن ثم تبقى وحيدة يتردد صراخها في العراء.


من هذه الشخصيات الأديب والمخرج والممثل وكاتب السيناريو الروسي الراحل “فاسيلي شوكشين”، والذي تحدث قبل وفاته بأيام بأن تعدد مشاغله هو الذي أثر في جوانبه الإبداعية الأدبية تأثيرا سلبيا واضحا، وقد كان يشكو في آخر أيامه من ضرورة أن يتفرغ للأدب كليا.


لقد كان يشعر بتلك الضرورة في التفرغ بوصفه الوسيلة الوحيدة القادرة على أن تحقق له سلاما نفسيا يساعده في محنة الخلق الأدبي، وهذا وحده كفيل بتأكيد حقيقة واحدة هي أن “فاسيلي شوكشين” فنان اختطفه الموت قبل أن يقول كلمته حتى النهاية، هذا ما تنطق به آثاره الأدبية التي خلفها وتفصح عن إمكانات فنية موهوبة لم يمهله الموت ليترجمها إلى عمل كما كان يحلم ويخطط.


إن نهايته المفاجئة تراجيدية حقا لدرجة أنها تذكرنا بتلك النماذج المأساوية العاجزة المهزومة أمام القدر الإنساني، تلك النماذج التي خلفها بقلمه الموهوب مقدما الدليل النهائي على كونه كما يقال الحفيد الشرعي الوحيد لأدب تشيخوف بنزعته النقدية الهجومية التي تؤكد جمال الإنسان، أعماقا وسلوكا.


كتب والدنا الأديب الراحل محمد الماجد ذات يوم.. جربت كتابة الشعر في بداياتي ثم اكتشفت أنني لست شاعرا، وإن واصلت في هذا الدرب سأكون مثل من يدوس على فوهة اللغم الأخير الذي سينهي مشواري”.


قد تكون قدرة الشخص الإبداعية في أغلب الأحيان، تمكنه من إعطاء نتائج إيجابية في أكثر من حقل، في السينما، الرسم، الشعر، التمثيل، وحتى الخط، وفي أحيان أخرى يتداخل الألم والفرح ويجد المبدع نفسه أمام شراسة التشتت ويقضم نصف الرغيف.


كاتب بحريني

التعليقات
صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية