العدد 5670
الثلاثاء 23 أبريل 2024
banner
ليس لهذا الحد!
الثلاثاء 23 أبريل 2024

ليس لهذا الحد يمكن أن يبيع المثقف مكتبته، هذا ما أثير بشأنه الضجيج والجلبة، وهذا ما تناقلته الأوساط الصحافية المصرية والعربية بعد أن أعلن الكاتب الصحافي محمد أمين بيع “بعض الكتب” من أجل لقمة العيش. ليس لهذا الحد يمكن أن تصل الأمور بمثقفينا لكي يتشابكون ويتشاكون لأن الحياة أصعب من رواتبهم، ولأن تكاليف المعيشة باتت أكثر استحالة بالنسبة لهم. وليس لهذا الحد وذاك الأسى يخرج الشاعر الكبير فاروق جويدة لكي ينعى أحوال مثقفينا، ويبكي على حليبهم المسكوب، ويتباكى على الأطلال بطريقة “قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل”.
صحيح أن المثقف العربي يعاني الأمرين، وصحيح أن المحترف منهم أي المشتغل بمهنة الصحافة لا يجد ما يسد به قوت يومه لو لم يقدم له “القدر” مقالاً للنشر في صحيفة تدفع بالدولار، والصحيح أيضًا أنه لا يوجد معاش لما يسمى بالمثقف العربي شأنه في ذلك شأن المثقف الأوروبي، يعني لا يوجد ما يمكن أن نطلق عليه بالرعاية الوالدية للدولة مثلما هو الحال في بلجيكا وهولندا ولكسمبورج، أو مثلما هو الحال في دول أوروبية عديدة، بالتحديد عندما يبلغ صاحب المعاش ولو لم تكن لديه وظيفة عمر الـ 65 سنة، ترسل له دائرة التقاعد رسالة تقول له “أنت أصبحت متقاعدًا وعليك أن تبعث لنا رقم حسابك البنكي لكي يتحول لك راتبك الشهري، وإذا كانت لديك مشكلة اتصل بنا على رقم هاتفنا، لتحصل على موعد المقابلة”، وليس إلى هذا الحد يمكن أن نتجرأ ونطلب تلك المميزات التي تتاح لمن بلغوا سن التقاعد مثقفين أم “أي شيء آخر”. أولاً: تخفيض إيجار البيت أو الشقة. ثانيًا: دعم شهري للإيجار. ثالثًا: من حقك أن تطلب سكنا من الضمان الاجتماعي وبسعر رمزي. رابعًا: تخفيض في المواصلات.

خامسًا: الضمان الصحي شبه المجاني. سادسًا: طبيب الأسنان شبه المجاني، وإذا لم تراجع طبيب الأسنان خلال سنة تأتيك غرامة مالية.
وليس لهذا الحد نحاول أن نطلب من دولنا أكثر مما تتحمله موازناتها العامة، لكن على أقل تقدير هل من جهة مختصة تبحث في شؤون مثقفينا أو صحافيينا الذين لا تقاعد لهم ولا دخل من أي نوع؟ هل النقابات والجمعيات المهنية تقوم بدورها المناط بها في هذا الصدد؟ وهل تحركت مجالس النواب في هذا الاتجاه بدلاً من الشجار والبحث عن “اللقطة” أو “الترند”، أو تحقيق مصالح عابرة لا تدخل في صميم ما كلفهم به الدستور؟ 
محمد أمين أيًا كانت حالته مبالغ فيها، أو مفترى عليها، صحيحة أم أن مضاهاتها بالواقع لم تكن صورة طبق الأصل، فإن أحوال مثقفينا أو صحافيينا “غير المحظوظين” يرثى لها، ولابد من لملمة ضحايا المهنة، سواء كانوا محسوبين على فئة المثقفين والشعراء، أم على فئة الصحافيين والكُتّاب.
في عام 1955، اعتمد الزعيم الهندي الراحل جواهر لال نهرو على المثقفين لكي ينتشلوا المجتمع من أزماته، وكانت نسبتهم لا تتعدى 10 % من السكان البالغ عددهم 500 مليون نسمة آنذاك، وقد كسب نهرو الرهان لأنه أتاح لهؤلاء المثقفين حياة كريمة، حرية تعاطي مع القضايا اليومية والحياة المعيشية الصعبة، موقع أدبي ووجاهة اجتماعية مكنتهم من مساعدة الكتلة البشرية الهائلة من النهوض والنمو، وتحقيق التقدم والازدهار، والعطاء والاستغناء والاستقرار، فهل نفعل؟!.

* كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية