العدد 5529
الإثنين 04 ديسمبر 2023
الوظيفة الاجتماعية للمثقف
الإثنين 04 ديسمبر 2023

تعد سياسة تهميش المثقف التي ينتهجها السياسي في معظم البلاد العربية أحد العوامل التي أفضت إلى استبعاد المثقف من أي دور سياسي مؤثر لتوجيه أو قيادة المجتمع السياسي والتأثير فيه إيجابيا. وفي المقابل تتصدر الجماعات الدينية الواجهة في الحياة السياسية، وقد يقول قائل إن وظيفة السياسي ووظيفة المثقف مختلفتان، فلماذا يراد لهما أن يتحدا؟
إن مثل هذا التساؤل يحمل مغالطة واضحة لأن المسألة لا تتعلق بالاختصاص التقني لكل منهما، لأن أدوار كليهما تتداخل وتتكامل وتتقاطع، ومع أنه ليس بالضرورة أن يكون السياسي مثقفاً، لكن بالضرورة أن يكون المثقف سياسياً، وذلك لأن المثقف هو من يعي الواقع ككل ويتجاوزه بوعيه، ومن هنا يأتي تأثيره في المجتمع. وقد عاصرنا بعض الفترات التي شهد فيها المجتمع العربي بعض الكوارث السياسية، فتنصل المثقف منها جملة وتفصيلا، استنادا إلى أنه لم يكن له أي دور فيها، ويكتفي بتحميل السياسي المسؤولية كاملةً. لكن حتى في هذه الحالة فالمثقف مسؤول ومشارك حتى بالمهادنة والسلبية، فانسحابه من الحياة السياسية وعدم المشاركة فيها بدا وكأنه يهدف إلى إحراج السياسي والجلوس على الربوة حتى لا يتحمل أية مسؤولية تجاه احتمالات الفشل. لكن هذا الموقف لا يضعف موقف السياسي فحسب، بل يضعف موقف المثقف أيضاً. وعليه فلا مناص من توافق بينهما في سبيل بناء المجتمعات وتطويرها. فلا يزال للمثقف دور في تطوير وتغيير المجتمع، بالرغم من أن طيفا من المثقفين يتعمدون اعتزال السياسة لأسباب جلها موضوعية وبعضها ذاتية، وحتى في علاقتهم مع المؤسسات الثقافية التي ينتمون إليها، يحاولون التأسيس لمنظور يستبعد أي دور سياسي أو اجتماعي للمثقف، انطلاقا من شعارهم أن (ليس مطلوبا من المثقف أن يغير العالم بل يكفيه أن يعاينه ويتأمله ويحلله)، ولذلك وجب عليه أن ينأى بنفسه عن المعترك السياسي، ويكتفي بدور المراقب، وكأنما الأحداث والتحولات تقع في كوكب آخر. فهذا التوصيف يتناقض مع الوظيفة الاجتماعية للمثقف التي يعبر من خلالها عن التزامه بالمساهمة الفاعلة في معالجة كبريات قضايا المجتمع ويدفعه نحو التغيير إلى الأفضل.
* كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية