العدد 3750
الأحد 20 يناير 2019
نهاية‭ ‬4‭ ‬ملوك‭ ‬عرب‭...‬ عندما‭ ‬انْقَضَّ‭ ‬العسكر‭ ‬على‭ ‬كراسي‭ ‬الحُكم‭...‬
الأحد 20 يناير 2019

أَعكِف الآن، وبكثافة شديدة، على البحث والتقصي والقراءة والمراجعة والاتصال بمصادر وشخصيات معنية وذات علاقة، وذلك في إطار سعيي لكتابة وإصدار كتاب جديد تحت عنوان “نهاية أربعة ملوك عرب”، وهم؛ الملك فاروق الأول ملك مصر، والملك فيصل الثاني ملك العراق، والملك محمد إدريس السنوسي ملك ليبيا والإمام محمد البدر ملك المملكة المتوكلية اليمنية.

أربعة ملوك في أربع دول عربية تمت الإطاحة بهم في الفترة من 1952م حتى 1969م عن طريق انقلابات عسكرية دبّرها وخطّط لها ونفّذها ضباط منتظمون في الخدمة العسكرية، برتب عالية، كانوا يتمتعون بثقة الأنظمة الحاكمة في تلك الدول، وكانوا يعملون وهم تحت القسم الذي أدوه أمام الله وأمام خَلْقِه، ذلك القسم الذي ناط بأعناقهم شرفًا رفيعًا ومسؤولية مقدسة تتمثل في الدفاع عن حياض وتراب بلدانهم بكل إخلاص وأمانة وبكل ولاء للوطن والملك والعَلَم، على أن لا يكون لهم أي دور أو دخل في الأمور السياسية للبلاد التي أوكلوا بمهمة الدفاع عنها كما تُقِرُّ بذلك المواثيق والأعراف التي تحكم الخدمة العسكرية في دول العالم.

إن الغرض الأساسي من إصدار الكتاب، وما نسعى إلى تحقيقه هو استنهاض الذاكرة، وإزاحة تراب النسيان والتناسي عنها حتى تظل مستيقظة وراصدة للنتائج التي تمخضت عن تلك الانقلابات التي لا تزال تبعاتها وذيولها وإرهاصاتها السلبية تتردد بين جنباتنا، ولكي يتفادى جيلنا وأجيال المستقبل تكرار الأخطاء والعمل على استيعاب العبر والدروس التي يمكن تلخيصها في أنه لا طائل ولا جدوى من استعمال القوة، وبالأخص القوة العسكرية، في حالة الرغبة في إحداث تغيير في المجتمعات.

إن مطالب الإصلاح والتطوير السياسي والنمو الاجتماعي والاقتصادي، والمطالبة بحق المشاركة والمساهمة في صنع القرار ورسم طريق المستقبل للأوطان، هي من الحقوق المشروعة والمقبولة بل والمطلوبة، إلا أنه لا يمكن تحقيقها من على ظهور الدبابات والمدرعات أو من فوهات البنادق والمدافع أو بقصف الطائرات أو من خلال غوغاء الشوارع وإطلاق الفوضى والتخريب وأعمال العنف والإرهاب وكسر القوانين.

في رأيي، إن ما قام به هؤلاء العسكر يشكّل جريمة متكاملة الأركان في حق تلك الدول وشعوبها، وبما أننا لن نتمكن في هذه الوقفة القصيرة من تداول هذا الرأي وتمحيصه فإننا سنطرح، حول الموضوع نفسه، بعضا من الملاحظات والتساؤلات منها:

هل إن ما تعاني منه هذه الدول وشعوبها اليوم من دمار وخراب وتراجع ناتج في الأساس عن تلك الانقلابات؟ انظروا، على سبيل المثال، إلى حال ليبيا واليمن اليوم!! أم هي محض صدفة؟ وهل نريد لأنفسنا وأوطاننا أن تلقى المصير نفسه؟

وهل ارتكبت تلك الأنظمة والملوك التي أُطيح بها أو سُفِكَ دَمها، الجرم الذي لا يمكن إصلاحه أو تداركه بالطرق السلمية حتى ينالوا ويستحقوا ما لحق بهم من نكال وحيف وأذى؟ وهل كان هؤلاء الملوك بالفعل فاسدين وفاسقين وخونة كما ادعى الانقلابيون أم انهم كانوا في الواقع ضحايا الظلم والتجني والكذب والاتهامات الباطلة التي لا أساس لها؟

هل خُدعت شعوب تلك الدول، وخُدعنا معهم، بالشعارات البراقة الرنانة الفضفاضة التي رفعها الانقلابيون؟ وهل وقعت تلك الدول وشعوبها، ووقعنا معهم، في شرك التزييف والتضليل من قبل الانقلابيين الذين أطلقوا اسم الثورات على انقلاباتهم؟

هل أوفى الانقلابيون بوعودهم وعهودهم، وهل تمكنوا من تحقيق أي مكسب لشعوب الدول التي راحت ضحية تآمرهم، أم العكس هو الصحيح؟

هل حَنث الانقلابيون بالقسم الذي أدوه ونقضوا العهد وخانوا الأمانة وغدروا بمن وثقوا بهم وأقحموا العسكر في الشؤون السياسية في تلك الدول؟

وماذا عن عدالة السماء؟ إنها لم تنس ولم تغفل عن محاسبة ومعاقبة قادة تلك الانقلابات في الأرض قبل يوم الحساب، فقد أُزيح من منصبه كرئيس للجمهورية، اللواء أركان حرب محمد نجيب قائد انقلاب 23 يوليو/‏تموز 1952بعد عامين من نجاح الانقلاب في مصر ووُضع تحت الإقامة الجبرية المهينة بأمر من معاونه البكباشي جمال عبدالناصر، وقُتل العقيد معمر القذافي قائد انقلاب الفاتح من سبتمبر 1969م في ليبيا شر قتلة شاهدها الملايين حول العالم على شاشات التلفزيون، وفي اليمن أُطيح بالمشير عبدالله السلال قائد انقلاب 26 سبتمبر 1962م بطريقة مزرية وقُذِفَ به في غياهب النسيان، وفي العراق نَفذ انقلاب 14 يوليو/‏تموز 1958م الزعيم الركن عبدالكريم قاسم والعقيد الركن عبدالسلام عارف، وبعد شهرين من نجاح الانقلاب اختلف قائداه حول تقاسم الغنيمة، فقام قاسم بوضع عارف خلف قضبان السجن وحكم عليه بالإعدام الذي خُفِّفَ إلى السجن المؤبد، ومن داخل السجن دبَّر عارف انقلابًا عسكريًّا آخر سمِّي بـ”ثورة 14 رمضان المباركة”، أُعدِمَ فيه قاسم وأعوانه رميًا بالرصاص، ونُبشت جثته من القبر بعد يومين من دفنها لِيُقْذَفَ بها من فوق جسر نهر ديالى في بغداد موثوقة بثقل حديدي لتقبع في قاع النهر، وبعد ثلاث سنوات من تولي عارف الحكم قُتِلَ في حادث غامض عندما انفجرت به طائرة مروحية عسكرية في الجو لتتناثر أشلاؤه المحترقة فوق سماء البصرة في جنوب العراق، ثم توالت عقوبة بل لعنة السماء على كل من تلاهم من حكام العراق العسكريين إلى أن اقتيد صدام حسين إلى المشنقة ورُبِطَ حبلها حول رقبته بعد أن حَلَّت المصيبة الكبرى على العراق بالغزو والاحتلال الأميركي في العام 2003م.

ونحن الآن لا نزال نشاهد حلقات هذا المسلسل الحزين دون أن نعرف متى وكيف ستكون نهايته.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية