يحل علينا موسم عاشوراء هذه الأيام والأمتان العربية والإسلامية تعيشان حالة أرق وألم لم يسبق لهما مثيل، السبب - بطبيعة الحال - شهداء في غزة، عشرات آلاف القتلى ومئات آلاف الجرحى والمفقودين، نصف وطن يعادل وطنًا بأكمله، ونصف شعب يؤرق مخادع أمة بأسرها. هذا هو الوطن المكلوم، وتلك هي أحوالنا على المدى من الوطن في فلسطين المحتلة وفي غزة المهيضة، وعلى الأفق البعيد آمال معقودة لتغليب العقل والحكمة على الإثم والعدوان، الرحمة والرأفة بالمدنيين العُزّل قبل الانتقام وسفك الدماء وتجويع وتهجير الإنسان.
أمتنا مازال جرحها ينزف، ومازلنا ونحن نتذكر مآثر ومناقب موسم عاشوراء ندعو بالتي هي أقوم، بالحسنى والعمل الصالح، ونحمد الله ونشكر فضله أن هذه الأيام تحل علينا ومملكة البحرين تعيش أزهى أيامها تحت ظلال الأمن والأمان الذي تتمتع به، والاستقرار والازدهار الذي ينعم به الوطن منذ تدشين المشروع الإصلاحي الكبير لحضرة صاحب الجلالة الملك المعظم، حفظه الله، حتى يومنا هذا، هو ما يدشن مرحلة جديدة صنوانها صناعة المستقبل، وعمودها الفقري الإيمان بالله ورسوله، وإتقان لغة التسامح والتصالح والتصافح والمحبة والسلام.
إن مملكة البحرين تعيش هذه اللحظات التاريخية متذكرة مناقب الإمام الحسين (ع) سيد شهداء أهل الجنة، ورائد الإصلاح في عصر لم يشهد سوى التناحر، ولم يواجه غير التحدي، ولعلنا في هذه الأيام المباركة نستلهم دروس الماضي بالدعوة المخلصة المؤمنة بالله ورسوله، والوطن والقائد، وشعب البحرين الوفي، بكل ما هو جدير لبناء وطن المحبة والوحدة والإخاء والسلام والاقتداء بالأسوة الحسنة، وبكل ما يؤدي إلى دعم اللحمة بين الوطن والمواطن، بين القائد وشعبه، وبين الكلمة الحق والدعوة إلى العدل والرحمة والتسامح والحياة.
لقد مرّ على بلادنا العديد من التحديات، خاصة خلال أيام الحرب الإسرائيلية الإيرانية الأخيرة، ونحمد الله ونشكر فضله أن شعبنا كان يتمتع باللحمة والتصدي والصمود، وكانت دعوة القيادة لجميع الأطراف بضبط النفس ورأب الأصداع، والعودة إلى المفاوضات؛ ما أدى إلى تدعيم الموقف الدولي، وتعميق رسالة الحب والسلام والتسامح بين الأطراف المتصارعة بعودة كامل الحق للشعب الفلسطيني الشقيق بما فيها “حل الدولتين”، والدخول فورًا في مفاوضات المرحلة النهائية استنادًا إلى ما تحقق على الأرض في الماضي، حتى لا نبدأ المشوار الصعب من جديد.
ذكرى عاشوراء علمتنا كيفية الاحتكام إلى العقل، وتغليب الحكمة على التناحر والتنافر والانقسام، تمامًا مثلما قادتنا إلى الدعوة للسلام من أجل أن يعم الرخاء مختلف بقاع الأرض، وأن ينتشر الازدهار على المدى المنظور من الكون وأرجاء المعمورة.
موسم عاشوراء يأتي هذه السنة ونحن أمام التحدي قادرين وداعين أمتنا وشعبنا العربي المسلم بأن في الاتحاد قوة، وفي الفرقة مهانة وهزيمة وهدم، وأن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله عزّ وجل من المؤمن الضعيف، وأن الآلام العظيمة تصنع الأمم العظيمة، هو ما تعلمناه من التاريخ، وما تبادلناه من مآثر وعبر ودروس الماضي البعيد، هو ما يجعلنا اليوم ننشد الود والوئام، وننبذ الفرقة والانقسام، وهو بالتالي ما يدفعنا إلى اقتحام الصندوق الأعظم للذكرى، لا لشيء إلا لكي نقتبس من أيامنا، أحلامنا، وأن نجدد العهد والوفاء وكل ود بيننا، والله وحده لا شريك له، نِعْمَ المولى ونِعْمَ النصير.
* الرئيس المؤسس رئيس مجلس أمناء الجامعة الأهلية