فجوات قانونية تجعل الوظيفة أقل جاذبية
تحقيق "البلاد": التقاعد المبكر يبدأ بعمر 34 سنة وبمدخول 600 دينار
-
لإعادة النظر في منظومة التقاعد بصورة شاملة
-
فخرو: للمواطن حقوق تكفلها الدولة لكن عليه أيضا واجبات تجاه وطنه في مقدمتها الاستمرار بالعمل
-
جعفري: لتمديد سن التقاعد بما ينسجم مع ارتفاع متوسط العمر وتحسن المؤشرات الصحية
-
لا يمكن الاعتماد على دعم الحكومة فقط
-
أحدث بيانات “التأمينات”: الإيرادات السنوية نحو 468 مليون دينار والمصروفات قاربت 810 ملايين دينار
-
رفع الرواتب بصورة دورية أداة لتحفيز الاستهلاك
-
المواطن مدين للوطن بالإنتاج
-
التقاعد المبكر ينبغي أن يظل استثناء يقتصر على الحالات الصحية وحالات العجز
-
يجب إلزام أصحاب العمل بمنح الموظف البحريني زيادات سنوية تتراوح بين 3 و4 %
-
قانونا الدخول في سوق العمل من 15 سنة
ماذا لو استطعت أن تغادر عملك قبل أن تبلغ الخامسة والثلاثين، وأن تطفئ منبّه الصباح، وتتخلص من المدير وجهاز البصمة وازدحام الطريق، ثم تكتشف أن المال الذي يدخل حسابك بعد التقاعد قد يفوق ما كنت تحصل عليه وأنت تعمل؟
قد يبدو السؤال أقرب إلى إعلان خيالي، لكن سلسلة من القوانين والقرارات النافذة تفتح هذا الاحتمال أمام فئة من البحرينيين، وتحوّل حلم التقاعد المبكر من أمنية بعيدة إلى معادلة مالية تستحق أن توضع تحت المجهر.
المواطن الذي بدأ العمل في الخامسة عشرة، واستمر مؤمّنًا عليه مدة تسعة عشر عامًا وستة أشهر، يستطيع وفق شروط التقاعد المبكر أن يغادر سوق العمل عند الرابعة والثلاثين وستة أشهر؛ في عمر لا يزال فيه كثيرون يشقون طريقهم المهني، ويبنون خبراتهم، ويستعدون لسنوات إنتاجهم الأعلى.
ولفهم ما يحدث، اختبر هذا التحقيق نموذج موظف بحريني يتقاضى 370 دينارا، وهو الحد الأدنى المقرر لحملة الشهادة الثانوية.
أثناء وجوده على رأس العمل، يحصل متى استوفى الشروط على 75 دينارا علاوة غلاء، وقد يتقاضى 100 دينار بدل سكن؛ ليبلغ مجموع دخله الشهري 545 دينارا.
لكن المعادلة تتغير عند التقاعد؛ إذ يُحتسب معاش التقاعد المبكر بنسبة 40 % من راتبه، أي 148 دينارا، ولأنه لم يبلغ الخامسة والخمسين، يخضع معاشه لتخفيض نسبته 25 %، فيتبقى له 111 دينارا.
غير أن ما تصرفه هيئة التأمين الاجتماعي لا يتوقف عند هذا الرقم؛ إذ تضاف إليه علاوة المتقاعدين البالغة 230 دينارا، ليصبح مجموع ما يتقاضاه منها 341 دينارا شهريا.
وبمجرد انخفاض معاشه الأساسي إلى أقل من 300 دينار، تقفز علاوة الغلاء إذا انطبقت شروط الاستحقاق من 75 إلى 130 دينارا شهريا ويستمر بدل السكن البالغ 100 دينار، فيما قد تحصل أسرته، إذا كانت مكوّنة من زوجة وطفلين واستوفت المعايير القانونية، على مساعدة اجتماعية تصل إلى 200 دينار شهريا. والنتيجة أن الموظف الذي كان يعمل مقابل دخل إجمالي يبلغ نحو 545 دينارا، قد يغادر وظيفته ليصل مجموع ما تتقاضاه أسرته إلى نحو 671 دينارا شهريا؛ أي بزيادة تقارب 226 دينارا، مع تحرره من ساعات الدوام والاستقطاع التأميني وكلفة الانتقال اليومية، وإمكان دخوله في عمل آخر أو نشاط خاص.
حتى القسط الإسكاني يحمل مفارقة أخرى، فالقانون لا يحتسب الاستقطاع على مجموع ما يتقاضاه المتقاعد من معاش وعلاوات ودعومات، بل على المعاش الأساسي دون غيره.
وفي هذا النموذج، لا يتجاوز المعاش بعد التخفيض 111 دينارا؛ ما يجعل ربع المعاش نحو 27.750 دينارا فقط، بصرف النظر عن بقية المبالغ التي تدخل حساب الأسرة.
48 ألف بحريني
قد تبدو هذه حالة افتراضية محدودة، لولا أن نحو 47 ألفا و977 بحرينيا يعملون ضمن شريحة الأجور التي يضعها هذا التحقيق في قلب الاختبار. ولا يعني ذلك أن جميعهم يستطيعون التقاعد غدا، أو أنهم بدأوا العمل في الخامسة عشرة، أو استوفوا جميع شروط المساعدات؛ لكنه يكشف حجم الفئة التي قد تقف يوما أمام السؤال نفسه:
لماذا أستمر في العمل إذا كان التقاعد يمنحني دخلا أعلى ووقتا أكثر؟
لا يتعلق الأمر بمواطن خالف القانون، ولا بمتقاعد استولى على حق ليس له. فكل مبلغ في هذه المعادلة يستند إلى تشريع أو قرار أو برنامج دعم وُضع لتحقيق غاية اجتماعية مشروعة: ضمان معاش للمتقاعد، ومساندة أصحاب الدخول المحدودة، وإعانة الأسر، وتخفيف أعباء السكن.
لكن القوانين لا تعمل منفصلة داخل حياة الناس، وحين تجتمع أنظمة وزارة العمل وسوق العمل، والتقاعد والدعم الاجتماعي والغلاء والإسكان في حساب شخص واحد، قد تنتج حافزا اقتصاديا لم يكن مقصودا عند وضع أي منها منفردا. فهل صنعت منظومة الحماية الاجتماعية، من حيث لا تقصد، طريقا يجعل مغادرة سوق العمل أكثر جاذبية من البقاء فيه؟ وما الذي يحدث لصندوق التقاعد عندما يتحول المشترك في الرابعة والثلاثين من ممول يدفع الاشتراكات إلى مستفيد يتقاضى معاشا قد يمتد عشرات السنين؟ ومن يتحمل كلفة الدعومات المتعددة التي تبدأ بعد خروجه؟ وهل درست الجهات المعنية الأثر المجمع لهذه القوانين، أم أن كل جهة اكتفت بالنظر إلى النظام الواقع ضمن اختصاصها؟
هذا التحقيق يتتبع الرحلة الكاملة لمواطن يدخل سوق العمل في الخامسة عشرة، ويخرج منه قبل الخامسة والثلاثين، ثم ينتقل بين معاش وعلاوات ودعومات تمولها جهات مختلفة؛ ليختبر سؤالا يتجاوز مصلحة الفرد إلى مستقبل سوق العمل وصناديق التقاعد والمال العام: ماذا يحدث حين يصبح التقاعد أكثر ربحا من العمل؟
بوابة الدخول
إن الوصول للمكاسب القانونية التي أوردناها أعلاه لم يكن وليد قانون واحد، بل رحلة تشريعية طويلة تبدأ من سن الخامسة عشرة، وتعبر عبر منظومة متشابكة من القوانين والقرارات، قبل أن تنتهي عند باب التقاعد المبكر.
والسؤال الأهم هو كيف يمكن أصلا أن يتقاعد شخص لم يبلغ الخامسة والثلاثين؟
الإجابة لا تبدأ في قانون التقاعد، كما قد يعتقد كثيرون، وإنما قبل ذلك بسنوات طويلة، وتحديدا في قانون العمل.
فالرحلة القانونية تبدأ من اللحظة التي يسمح فيها المشرّع للمواطن بدخول سوق العمل.
في عام 2012، صدر قانون العمل في القطاع الأهلي رقم (36)، واضعا أول حجر في هذه الرحلة. ففي الباب الرابع الخاص بتشغيل الأحداث، عرّفت المادة (23) “الحدث” بأنه كل من بلغ الخامسة عشرة من عمره ولم يُكمل الثامنة عشرة، بينما جاءت المادة (24) أكثر وضوحا حين حظرت تشغيل من لم يبلغ الخامسة عشرة، لتجعل هذا السن هو الحد الأدنى القانوني لدخول سوق العمل في القطاع الأهلي. كما أحاط القانون تشغيل الأحداث بسلسلة من الضوابط، من بينها تحديد ساعات العمل، ومنع تشغيلهم ليلا أو في أيام الراحة الأسبوعية والعطلات الرسمية، حماية لهم في هذه المرحلة العمرية.
وهنا تبدأ أولى حلقات المعادلة التي نتتبعها، فأي فتى يدخل سوق العمل في الخامسة عشرة لا يحصل على وظيفة فحسب، بل يبدأ منذ ذلك اليوم رحلة الاشتراك في نظام التأمين الاجتماعي، وتبدأ سنوات خدمته القانونية بالاحتساب شهرا بعد آخر.
هذه السنوات، التي تبدو في ظاهرها مجرد مدة عمل، ستتحول لاحقا إلى المفتاح الذي يفتح باب التقاعد المبكر، عندما تلتقي مع قوانين التأمين الاجتماعي، لتبدأ رحلة قانونية أخرى تختلف تماما عن قانون العمل.
انسجام دولي
ولم يكن تحديد سن الخامسة عشرة مدخلا إلى سوق العمل اجتهادا محليا منفردا، بل جاء منسجما مع المعايير الدولية التي أرستها منظمة العمل الدولية.
فقد نصت اتفاقية الحد الأدنى لسن الاستخدام رقم (138) لسنة 1973، التي اعتمدتها مملكة البحرين بموجب القانون رقم (1) لسنة 2012، على أن “الحد الأدنى لسن القبول في الاستخدام أو العمل لا يجوز أن يقل عن سن إتمام التعليم الإلزامي، وفي جميع الأحوال لا يجوز أن يقل عن خمس عشرة سنة”. وفي السياق ذاته، جاء قانون العمل في القطاع الأهلي رقم (36) لسنة 2012 متوافقا مع هذا الإطار الدولي.
وهكذا، فإن الرحلة التي يتتبعها هذا التحقيق لا تبدأ بثغرة قانونية، ولا باستثناء تشريعي، وإنما بقاعدة قانونية تتوافق مع المعايير الدولية، وتتمثل في السماح للمواطن بدخول سوق العمل ابتداء من سن الخامسة عشرة. ومن هذه اللحظة تحديدا، تبدأ سنوات الاشتراك في التأمين الاجتماعي بالتراكم شهرا بعد آخر، لتقود لاحقا إلى الحلقة التالية من هذه السلسلة التشريعية.
العداد يبدأ
نعلم أنه في صباح يومه الأول، لن يكون ذلك الفتى الذي بلغ الخامسة عشرة منشغلا بقوانين التقاعد أو بمعادلات التأمين الاجتماعي، كل ما يشغل باله أنه حصل أخيرا على وظيفة، وسيتقاضى في نهاية الشهر أول راتب في حياته.
وبحكم مؤهله الدراسي وسنه، فمن المرجح أن يكون دخله قريبا من رواتب حملة الثانوية العامة، أي في حدود الأسقف المحددة لدينا في البحرين بـ 370 دينارا. بالنسبة إليه، تبدو تلك بداية بسيطة لمسيرة مهنية طويلة، لكنها في الحقيقة لحظة يبدأ فيها عداد آخر لا يراه أحد.
فمنذ أن يودع أول راتب في حسابه، تبدأ معه رحلة قانونية جديدة، لا يرسم ملامحها قانون العمل هذه المرة، وإنما قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالمرسوم بقانون رقم (24) لسنة 1976، إذ يصبح العامل مشتركا في نظام التأمين الاجتماعي، وتبدأ أشهر اشتراكه في الاحتساب شهرا بعد آخر، في مسار قانوني يمتد لعقود، وقد ينتهي وفقا للشروط التي رسمها المشرع إلى التقاعد المبكر وهو لا يزال في منتصف الثلاثينيات من عمره.
وهذه ليست حكاية عامل واحد فقط، فبحسب البيانات التي نستند إليها، ووفقا لأرقام “التأمينات الاجتماعية” فإن نحو 48 ألف بحريني في القطاعين الخاص والعام تقع رواتبهم ضمن هذه الشريحة أي رواتبهم ما بين 200 إلى 400 دينار، ما يعني أن عشرات الآلاف يبدأون الرحلة القانونية نفسها منذ أول شهر عمل، ويخضعون للمنظومة ذاتها التي يتتبعها هذا التحقيق خطوة بعد أخرى، حتى نهايتها.
المغادرة أم البقاء؟
غير أن السؤال الذي ظل يفرض نفسه خلال إعداد هذا التحقيق كان أكثر تعقيدا: إذا كان القانون يتيح للعامل أن يستمر في وظيفته سنوات أطول تصل إلى عمر 60 عاما وأكثر، فلماذا يختار بعضهم مغادرة سوق العمل وهم في الخامسة والثلاثين أو الأربعين أو منتصف الأربعينيات؟
للإجابة عن هذا السؤال، تحدثت “البلاد” مع شريحة واسعة من المتقاعدين والعاملين في القطاع الخاص، فجاءت الإجابة متقاربة إلى حد بعيد.
فوفقا لما أدلوا به، فإن أحد أبرز الدوافع لا يتعلق بالرغبة في ترك العمل بقدر ما يرتبط بالمعادلة الاقتصادية التي يواجهها الموظف، فآلاف العاملين في القطاع الخاص يقضون سنوات طويلة من دون زيادات تذكر على رواتبهم، حتى يصبح الراتب الذي بدأوا به قريبا من الراتب الذي يتقاضونه بعد عشرين عاما من الخدمة.
ويضرب الخبير مثالا بموظف يتقاضى 370 دينارا شهريا، أو حتى آخر يبلغ راتبه 550 دينارا، إذ يجد نفسه أمام معادلة مختلفة عند احتساب التقاعد. المعاش الأساسي يحتسب بنسبة 40 % من الراتب إن كان الحديث عن التقاعد المبكر، ثم يخفض المعاش بنسبة 25 % إذا كان المتقاعد لم يبلغ الخامسة والخمسين من عمره.
غير أن الصورة لا تقف عند هذا الحد؛ إذ تبدأ بعد ذلك سلسلة من العلاوات والدعوم التي يجيزها القانون وفق شروطها، لترتفع قيمة الدخل الشهري بصورة تجعل كثيرين ينظرون إلى الاستمرار في الوظيفة، مقارنة بما سيحصلون عليه بعد التقاعد، على أنه خيار أقل جدوى من الناحية الاقتصادية.
ومن هنا، تبدأ الحلقة الأكثر حساسية في هذا التحقيق؛ إذ لا يتعلق الأمر بقيمة المعاش وحدها، بل بكيفية تفاعل منظومة كاملة من القوانين والعلاوات والدعوم، لتنتج معادلة يرى بعض العاملين أنها أكثر جاذبية من البقاء على رأس العمل.
منظومة دعم
لا تبدأ اللحظة الأولى من التقاعد عند قيمة المعاش، وإنما تبدأ منظومات دعم أخرى بالعمل بالتوازي.
فالعامل الذي كان يتقاضى 370 دينارا شهريا، يصبح معاشه الأساسي 148 دينارا، قبل أن يخفض بنسبة 25 % لعدم بلوغه الخامسة والخمسين، ليستقر عند نحو 111 دينارا.
أما العامل الذي كان راتبه 550 دينارا، فيبلغ معاشه الأساسي 220 دينارا، لينخفض بعد تطبيق النسبة ذاتها إلى نحو 165 دينارا.
وبهذه الأرقام، ينتقل الاثنان إلى شريحة الدخل التي تستحق أعلى فئة من علاوة غلاء المعيشة، والبالغة 130 دينارا شهريا، كما يظلان ضمن الفئات التي تستحق بدل السكن البالغ 100 دينار شهريا.
ولا تنتهي المعادلة هنا، فإذا كانت الأسرة مكونة من زوجة غير عاملة، وكان مجموع دخلها يقع ضمن الحدود التي حددتها وزارة التنمية الاجتماعية بالأسر الفقيرة أي أقل من 336 دينارا شهريا، فقد تصبح مؤهلة للاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي التي قد تصل إلى 200 دينار شهريا، إضافة إلى دعم فاتورة الكهرباء التي تصل إلى عشرة دنانير شهريا، وذلك وفقا للأنظمة والاشتراطات المعمول بها.
وتكشف مراجعة الأنظمة ذات الصلة عن تفصيل بالغ الأهمية؛ إذ إن أي قسط تمويل أو استقطاع إسكاني يحتسب على أساس “المعاش الأساسي وحده”، من دون احتساب علاوة غلاء المعيشة، أو بدل السكن، أو المساعدات الاجتماعية ضمن وعاء الاستقطاع.
وبذلك، تبقى الالتزامات المالية مرتبطة بقيمة المعاش، بينما تصرف بقية العلاوات والدعوم متى استحقت بصورة مستقلة، وهنا تتبدل زاوية النظر بالكامل.
القضية لم تعد تتعلق بمعاش يبلغ 111 أو 165 دينارا أو 200 دينار، بل بإجمالي دخل قد يرتفع، بعد احتساب العلاوات والدعوم المستحقة، إلى مستويات تختلف جذريا عن قيمة المعاش الأساسي وحده.
671 دينارا
وعند احتساب جميع المبالغ التي قد يستحقها المتقاعد متى استوفى الشروط القانونية والتنظيمية لكل برنامج دعم على حدة، تتغير الصورة بصورة لافتة.
الموظف الذي كان يتقاضى 370 دينارا شهريا، وينخفض معاشه الأساسي بعد تطبيق أحكام التقاعد المبكر إلى نحو 150 دينارا، قد يصبح إجمالي دخله الشهري في حدود 671 دينارا، موزعة بين المعاش الأساسي، وعلاوة غلاء المعيشة البالغة 130 دينارا، وبدل السكن البالغ 100 دينار، والدعم الاجتماعي الذي قد يصل إلى 200 دينار للأسرة المستحقة، إضافة إلى علاوة المتقاعدين البالغة 230 دينارا، فضلا عن دعم فاتورة الكهرباء وفق الضوابط المعمول بها.
أما الموظف الذي كان يتقاضى 550 دينارا، ويصبح معاشه الأساسي بعد الخصم نحو 165 دينارا، فإنه يظل ضمن الشريحة المستحقة لأعلى فئة من علاوة غلاء المعيشة، كما قد يستحق بدل السكن، وعلاوة المتقاعدين، وغيرها من برامج الدعم متى انطبقت عليه شروطها، الأمر الذي يرفع إجمالي دخله الشهري إلى مستوى يتجاوز بكثير قيمة معاشه الأساسي.
ولا يقف الأمر عند حدود الدخل الشهري وحده، إذ إن مراجعة الأنظمة ذات الصلة تظهر أن استقطاع التمويل أو القسط الإسكاني عند استحقاقه، يُحتسب على أساس المعاش الأساسي فقط، دون احتساب علاوة غلاء المعيشة أو بدل السكن أو علاوة المتقاعدين أو المساعدات الاجتماعية ضمن وعاء الاستقطاع، وهو ما يعني أن الالتزام الشهري يبقى مرتبطا بالمعاش، بينما تصرف بقية العلاوات والمزايا بصورة مستقلة وفق الأنظمة المنظمة لها.
وهنا تتضح المعادلة التي تكررت على ألسنة عدد من العاملين والمتقاعدين الذين التقتهم “البلاد”. فالسؤال بالنسبة إليهم لم يعد: كم سأتقاضى بعد التقاعد؟
بل أصبح: هل سيؤدي استمراري في الوظيفة، مع غياب الزيادات السنوية على الراتب في كثير من شركات القطاع الخاص، إلى دخل أفضل من ذلك الذي يمكن أن أحصل عليه إذا تقاعدت مبكرا؟
وهذا السؤال لا يوجه أصابع الاتهام إلى أي قانون أو برنامج دعم بعينه، فجميعها شرعت لتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية مشروعة، لكنه يفتح الباب أمام سؤال استقصائي أكبر: هل أدى تفاعل هذه المنظومات، من دون قصد، إلى خلق حافز اقتصادي يدفع بعض العاملين إلى مغادرة سوق العمل في سن مبكرة وفي قمة العطاء؟ وهل أدى تداخل قانون العمل، وقانون التأمين الاجتماعي، وأنظمة وقرارات الدعم، والاستقطاعات الإسكانية إلى نتيجة غير مقصودة تجعل التقاعد المبكر خيارا أكثر جاذبية لأصحاب الدخول المنخفضة، بما ينعكس على استدامة صناديق التقاعد والمالية العامة؟
تغيير زوايا الرؤية
إذا كانت الصورة تبدو مختلفة من زاوية الموظف، فإنها تبدو مختلفة تماما عند الوقوف في الجهة المقابلة؛ حيث تبدأ كلفة هذه المعادلة في الظهور على سوق العمل وصناديق التقاعد والمالية العامة للدولة.
ما يبدو مكسبا ماليا للفرد عند لحظة التقاعد، قد يتحول على الطرف الآخر إلى كلفة ممتدة تصل إلى 50 سنة. إن كل موظف يغادر وظيفته في الخامسة والثلاثين أو الأربعين من عمره، لا يغادر سوق العمل وهو في نهاية عطائه، بل في ذروة سنواته الإنتاجية، بعد أن اكتسب خبرة تراكمت على مدى عقدين من الزمن.
وبرحيله، لا تخسر جهة عمله موظفا فحسب، وإنما يخسر الاقتصاد الوطني يدا عاملة مدربة كان يمكن أن تواصل الإنتاج لعقود أخرى، في وقت تتسابق فيه الاقتصادات الحديثة للحفاظ على الكفاءات وإطالة بقائها في سوق العمل.
لكن الأثر الأكبر يبدأ عند صندوق التأمين الاجتماعي، فإذا افترضنا أن العامل يتقاعد في الخامسة والثلاثين من عمره، بينما يبلغ متوسط العمر المتوقع في البحرين نحو “83 عاما”، فإن الصندوق قد يظل ملتزما بصرف معاشه وما يرتبط به من مزايا لعقود تمتد إلى ما يقارب نصف قرن. وفي المقابل، تتوقف اشتراكاته التي كانت تمثل أحد مصادر تمويل الصندوق، فيتحول من مساهم في الإيرادات إلى مستفيد من المصروفات، وهو تحول يتكرر مع كل حالة تقاعد مبكر.
ولا يقف العبء عند صندوق التأمين الاجتماعي وحده، فالدولة تواصل، متى استوفت الشروط النظامية تمويل منظومة واسعة من العلاوات والدعوم الاجتماعية والإسكانية والمعيشية المرتبطة بهذه الفئة، ما يعني أن كلفة التقاعد المبكر لا تقتصر على المعاش الشهري، وإنما تمتد إلى منظومة إنفاق عام متكاملة تستمر سنوات طويلة. وتكتسب هذه الصورة أهمية أكبر عند قراءة المؤشرات المالية لصناديق التقاعد، فبحسب أحدث بيانات الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي، بلغت الإيرادات السنوية نحو 468 مليون دينار، في مقابل مصروفات قاربت 810 ملايين دينار، مسجلة عجزا سنويا يناهز 342 مليون دينار. وهذه الأرقام لا تعني أن التقاعد المبكر وحده هو سبب هذا العجز، فهناك عوامل اكتوارية وديموغرافية وتشريعية واستثمارية متعددة تؤثر في المركز المالي للصندوق، إلا أنها تطرح سؤالا مشروعا: إلى أي مدى يسهم استمرار خروج أعداد من العاملين في منتصف أعمارهم الإنتاجية في زيادة الضغوط على منظومة التأمين الاجتماعي واستدامتها المالية؟
دعوة للإصلاح
وفي خضم هذا الجدل، استعنا بقراءة أحد أكثر الشخصيات اقترابا من هذا الملف على امتداد العقود الماضية. فالنائب الأول لرئيس مجلس الشورى وعميد المشرعين البحرينيين جمال فخرو يرى أن القضية لم تعد مرتبطة بحسابات فردية، وإنما أصبحت تمس فلسفة الدولة في إدارة سوق العمل واستدامة منظومة الحماية الاجتماعية.
ويقول فخرو إن من اللافت في البحرين أن يتحول مواطن ما يزال في ذروة عطائه المهني إلى متقاعد يعتمد على منظومة واسعة من الدعومات الحكومية، معتبرا أن ذلك يخرج عنصرا منتجا من سوق العمل، ويحمل الدولة وصناديقها أعباء تمتد لعقود.
ويصف السماح بالتقاعد المبكر بأنه “أكبر خطأ” يحتاج إلى مراجعة، موضحا أن الفارق كبير بين أن تبدأ الدولة في تحمل كلفة المواطن بعد بلوغه سن التقاعد الطبيعي (60 سنة)، أو أن تبدأ هذه الالتزامات منذ الخامسة والثلاثين من عمره، بما يعني مضاعفة سنوات الإنفاق عليه من المعاشات والدعومات المختلفة.
ويشير إلى أن الدولة استثمرت مبالغ كبيرة في المواطن منذ طفولته، عبر التعليم المجاني، والتدريب، والتعليم الجامعي، والرعاية الصحية، وغيرها من الخدمات؛ ولذلك فإن من واجب المواطن، بعد أن يدخل سوق العمل، أن يواصل الإنتاج والإسهام في تنمية الاقتصاد الوطني، لا أن يغادره في وقت لا يزال قادرا فيه على العطاء. ويؤكد أن المطلوب هو بناء جيل منتج، لا جيل يعتمد على الدعومات، خصوصا أن الظروف الاقتصادية قد تتغير مستقبلا، وقد تخضع برامج الدعم للمراجعة أو التقليص أو حتى الإيقاف، في وقت يتزايد فيه عدد المستفيدين بصورة مستمرة، وهو ما يفرض تحديات متنامية على قدرة الدولة على الاستمرار في تمويلها.
ويضيف فخرو أن للمواطن حقوقا تكفلها الدولة، لكن عليه أيضا واجبات تجاه وطنه، وفي مقدمتها الاستمرار في العمل والمساهمة في دعم الاقتصاد الوطني كلما كان قادرا على ذلك.
وانطلاقا من هذه الرؤية، يدعو فخرو إلى إعادة النظر في منظومة التقاعد بصورة شاملة، لا عبر معالجة جزئية لهذا النص أو ذاك، مؤكدا أن الجميع مطالب بالمشاركة في تقديم تصورات إصلاحية تكفل استدامة النظام ومعالجة أي تشوهات في سوق العمل.
ويشير إلى أن صناديق التقاعد تواجه تحديات مالية معروفة، وأن الحكومة سبق أن تقدمت بحزمة إصلاحية من إحدى عشرة مبادرة، وافق مجلس النواب على خمس منها فقط، وهو ما أسهم في إطالة العمر المالي للصناديق حتى عام 2032، بينما كان إقرار الحزمة كاملة، بحسب الدراسات الاكتوارية، كفيلا بتمديد استدامتها لما يقارب خمسين عاما.
زيادة سنوية 4 %
وللبحث عن إجابة من زاوية اقتصادية بحتة، انتقل التحقيق إلى الخبير الاقتصادي الدكتور أكبر جعفري، محاولا تفكيك جذور هذه المعادلة من منظور مختلف. يرى جعفري أن اختزال المشكلة في التقاعد المبكر وحده لا يكفي، لأن جذور الأزمة بحسب تقديره تبدأ قبل ذلك، في غياب التنسيق بين الجهات الحكومية عند إعداد القوانين والقرارات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يؤدي في بعض الأحيان إلى نتائج لم تكن مقصودة عند سن كل تشريع على حدة.
ويقول جعفري إن البحرين بحاجة إلى جهة تنسيقية تضمن انسجام السياسات بين الوزارات والهيئات المختلفة، معتبرا أن تحقيق ذلك ليس أمرا معقدا، وإنما يتطلب آلية مؤسسية تجمع مختلف الجهات قبل إقرار السياسات.
ويشير إلى أن دولا مثل الإمارات أوكلت هذا الدور إلى مجلس التنمية الاقتصادية يعمل على مواءمة القرارات قبل صدورها، بما يمنع حدوث تعارض بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية.
ويرى أن السماح بالالتحاق بسوق العمل ابتداء من سن الخامسة عشرة، ثم إتاحة التقاعد بعد سنوات الخدمة المطلوبة، يخلق مفارقة تحتاج إلى مراجعة، إذ ينتهي الأمر بخروج بعض المواطنين من سوق العمل في أعمار لا تزال تمثل ذروة قدرتهم على الإنتاج.
ويؤكد أن التقاعد المبكر ينبغي أن يظل استثناء يقتصر على الحالات الصحية أو حالات العجز، أما من يتمتع بالقدرة على العمل، فمن الأولى أن يواصل عطاءه، لأن ذلك يمثل مسؤولية تجاه الاقتصاد الوطني، وليس مجرد قرار شخصي.
ويحذر جعفري من أن استمرار خروج الشباب الأصحاء من سوق العمل يعني استنزافا لرأس المال البشري الوطني، قائلا إن من غير المنطقي أن ترى شبابا في عز سنواتهم الإنتاجية خارج دائرة العمل والإنتاج، بينما يحتاج الاقتصاد إلى كل طاقاته البشرية.
ومن هذا المنطلق، يدعو إلى إعادة النظر في نظام التقاعد المبكر، بل وطرح فكرة تمديد سن التقاعد، بما ينسجم مع ارتفاع متوسط العمر وتحسن المؤشرات الصحية. وفي المقابل، يلفت جعفري إلى أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تتم من خلال تقييد التقاعد المبكر فقط، لأن جزءا كبيرا من الدافع إليه يرتبط بضعف نمو الأجور في القطاع الخاص. ويقترح إلزام أصحاب العمل بمنح الموظف البحريني زيادات سنوية تتراوح بين 3 و4 %، بما يعزز قدرته الشرائية ويحافظ على مستوى معيشته. ويؤكد أن القوة الشرائية للمواطن تعرضت خلال السنوات الماضية لضغوط متزايدة نتيجة التضخم، وأن رفع الرواتب بصورة دورية لا يمثل عبئا اقتصاديا فحسب، بل هو أداة لتحفيز الاستهلاك، ودعم الاقتصاد الوطني، وتقليل الدوافع المالية التي تدفع بعض العاملين إلى تفضيل التقاعد المبكر على الاستمرار في العمل.
خط النهاية
في نهاية هذه الرحلة، لا نضع التقاعد المبكر في قفص الاتهام، ولا نبرئه، كما لا يحمل قانونٌ واحدٌ مسؤولية ما آلت إليه المنظومة، فكل تشريع وضع لتحقيق غاية مشروعة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا يحدث عندما تتقاطع هذه التشريعات جميعا في نقطة واحدة، فتنتج واقعا لم يكن مقصودا عند سن أي منها؟
فالاقتصاد لا يحاكم النوايا، بل يقرأ النتائج، والنتائج تشير إلى معادلة تستحق التوقف أمامها؛ عامل يبدأ حياته المهنية مبكرا، ويغادرها وهو لا يزال قادرا على العطاء، وصناديق تقاعد تواجه تحديات متزايدة، ودولة تتحمل التزامات تمتد لعقود، واقتصاد يحتاج إلى كل طاقة وطنية قادرة على الإنتاج.
وربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل نلغي التقاعد المبكر؟ بل: كيف نبني منظومة تحقق التوازن بين حق المواطن في حياة كريمة، وحق الوطن في استمرار أبنائه داخل دائرة الإنتاج، واستدامة صناديقه للأجيال القادمة؟
ذلك سؤال لن تجيب عنه جهة واحدة، ولا قانون واحد، ولا قرار منفرد، إنه سؤال يخص مستقبل البحرين، ويستدعي مراجعة هادئة وشجاعة، يشارك فيها المشرع والاقتصادي والحكومة والقطاع الخاص والمواطن، قبل أن تتحول التحديات التي نراها اليوم إلى حقائق يصعب تغييرها غدا.