البحرينيون يغامرون بأرواحهم للبقاء “شباب” مقابل 200 دينار
“البلاد” ترصد الترويج لحقن الإكسوزوم في عيادات محلية رغم الإجراءات السعودية بشأن المنتج
-
الإكســـوزوم تحـــت المجهـــر مـــا بيــــن الترويـــج التجــــاري والدليــــل العلمـــي
-
وعــود النضــارة ومخــاوف السلامــة.. القصــة الكاملــة لحقــن الإكســوزم
-
عيــادات تــروج للإكســـوزوم وأطبـــاء يدعـــون إلـــى التريــــث
-
د. حسين جمعة: مــــــــادة واعــــدة فــي مجــــال تجـــديــد البشـــــــــرة والطـــــب التجميلـــــي
-
د. أحمد العصفور: الدراسات حول الإكســــوزوم مشجعـــة لكن الأدلة على أمان الحقن محدودة
-
د. أنوار المساعد: لا توجــد أدلــة طويلـة الأمد تؤكد أمان الإكسوسومات من الناحية السرطانية
-
د. عبدالله فخرو: يعرّض المرضى لمخاطر غير مبررة ويؤثر في ثقة المجتمع بالتخصص
-
د.فاطمة خمدن: الإكسوسومات علــم حقيقي لكــن نضجهـــا العلمي والتنظيمـي لم يكتمل بعد
أثار تحذير وزارة الصحة السعودية من الترويج لحقن الإكسوزوم، وتعليقها رخصتي مزاولة المهنة لطبيبين على خلفية الإعلان عن أحد منتجاتها، تساؤلات واسعة حول واقع استخدام هذه التقنية في المنطقة. ورغم أن القضية انطلقت من السعودية، فإنها فتحت الباب أمام التساؤل عن مدى انتشار هذه الممارسة في البحرين، خصوصا مع رصد «البلاد» إعلانات لعيادات بحرينية تروّج لحقن الإكسوزوم باعتبارها وسيلة لتحسين البشرة وتجديد الخلايا وعلاج تساقط الشعر، مقابل مبالغ تصل إلى 200 دينار لجميع الجلسات.
وخلال التحقيق، تواصلت «البلاد» مع عدد من الأطباء والاستشاريين داخل البحرين وخارجها، فتباينت آراؤهم بين من يرى أن الإكسوزوم تقنية واعدة تستحق المزيد من الدراسات قبل اعتمادها على نطاق واسع، ومن شدد على ضرورة الالتزام بالضوابط التنظيمية وعدم الانجراف وراء الحملات التسويقية، في وقت أجمع فيه الجميع على أن الأدلة العلمية الحالية لا تزال غير كافية لاعتماد حقن الإكسوزوم كإجراء تجميلي روتيني.
ويُعد الإكسوزوم (Exosomes) من أحدث تقنيات الطب التجديدي التي استقطبت اهتمام الأوساط الطبية، إذ يراه البعض خيارًا واعدًا لمكافحة الشيخوخة وعلاج تساقط الشعر، فيما تتعامل معه الجهات التنظيمية والباحثون بحذر في ظل استمرار الجدل العلمي حول سلامته وفاعليته.
ولم يلفت الخبر الانتباه في البداية باعتباره شأنًا سعوديًا، إلا أن الأمر تغيّر بعدما نشر استشاري جراحة التجميل الدكتور أحمد العصفور محتوى عبر حسابه في منصة «إنستغرام» تناول فيه حقن الإكسوزوم. وعندما تواصلت «البلاد» معه للاستفسار عما إذا كانت هذه الممارسة موجودة في البحرين، أكد أن بعض العيادات تُدرجها ضمن خدماتها العلاجية والتجميلية.
ومن هنا بدأت «البلاد» تقصي واقع هذه التقنية، إذ رصدت عددًا من العيادات التي تروّج لحقن الإكسوزوم من خلال إعلانات تتضمن وعودًا بتحسين البشرة وتجديد الخلايا وعلاج تساقط الشعر، كما تبيّن أن هذه الإعلانات ليست مجرد منشورات دعائية، بل تُعرض ضمن خدمات فعلية، تتراوح تكلفة جلساتها بين 150 و200 دينار بحريني.
كما رصدت «البلاد» مقطعًا ترويجيًا لإحدى العيادات، أكد فيه أحد الأطباء أن المنتج حاصل على تصريح من هيئة الغذاء والدواء الأميركية (FDA). وبالرجوع إلى بيانات الهيئة، تبيّن عدم وجود أي موافقة على حقن الإكسوزوم حتى الآن. وعرضت «البلاد» المقطع على طبيبين مختصين، فأكدا أن ما ورد فيه غير صحيح، مشددين على أن حقن الإكسوزوم لم تحصل حتى الآن على موافقة الهيئة.
وكان اللافت وجود تباين في الرؤى بين عدد من المختصين؛ إذ رأى رئيس رابطة أطباء الجلدية الدكتور حسين جمعة أن تقييم الإكسوزوم لا ينبغي أن يقتصر على وجود اعتماد من هيئة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)، بل يجب أن يستند إلى تقييم علمي وتنظيمي متكامل، في حين شددت رئيس قسم أورام الجهاز الهضمي في مركز هيلمان للسرطان بجامعة بيتسبرغ الأميركية الدكتورة أنوار محمد باقر المساعد على أن غياب الموافقات التنظيمية من الهيئات الكبرى لا يمكن اعتباره أمرًا ثانويًا عند التعامل مع منتجات بيولوجية معقدة مثل الإكسوزومات.
فوائد محتملة
أوضحت استشارية أمراض الجلدية والتجميل الدكتورة فاطمة خمدن أن “الإكسوسوم” ليس خلايا جذعية بحد ذاته، وإنما حويصلات متناهية الصغر تفرزها الخلايا، وتعمل كـ”رسائل مجهرية” تنقل الإشارات والمواد الحيوية بين الخلايا.
وأضافت أن هذه الحويصلات تحتوي على البروتينات وعوامل النمو والمواد الوراثية، وعندما تُستخلص من مصادر محددة، مثل الخلايا الجذعية للحبل السري أو الدهون أو بعض المصادر النباتية، فإنها قد تحفّز عمليات إصلاح الخلايا وتجديدها.
وأشارت إلى أن الدراسات الحالية تتناول إمكانات الإكسوسوم في تحسين نضارة البشرة ومحاربة الشيخوخة، عبر تحفيز إنتاج الكولاجين والإيلاستين، بما يسهم في تحسين مرونة الجلد وتقليل التجاعيد السطحية وتسريع التئام الندبات بعد جلسات الليزر أو الوخز بالإبر الدقيقة.
وأضافت أن الأبحاث المخبرية أظهرت كذلك قدرة الإكسوسوم على تحفيز نمو بصيلات الشعر وإطالة دورة حياتها، ما يجعله خيارًا مطروحًا للدراسة في علاج الصلع الوراثي وتراجع كثافة الشعر.
وأكدت خمدن أن أهم ما يجب أن يدركه المستهلك هو أنه لا توجد حتى الآن أي تقنية حقن للإكسوسوم معتمدة من هيئة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) أو الهيئات التنظيمية الأوروبية للاستخدام التجميلي داخل الجلد.
وأوضحت أن الهيئات التنظيمية تُصنف مستحضرات الإكسوسوم حاليًا ضمن المنتجات الطبية الحيوية التجريبية، ويقتصر الاستخدام المصرح به على التطبيق الموضعي الخارجي بعد إجراءات مثل الديرمابين، مع حظر حقنه مباشرة داخل الأوعية الدموية أو الأنسجة العميقة خارج نطاق التجارب السريرية المعتمدة.
وحذّرت من أن هذه التقنية، رغم آفاقها الواعدة، تثير عددًا من المخاوف العلمية، أبرزها اختلاف جودة المنتجات ومحتواها باختلاف المصدر وطريقة التصنيع والاستخلاص، في ظل غياب معايير موحدة تضمن ثبات الجودة والفاعلية.
وأضافت أن من بين المخاوف أيضًا احتمال تحفيز نمو خلايا غير طبيعية بسبب احتواء الإكسوسومات على عوامل نمو قوية، إلى جانب احتمال حدوث تفاعلات مناعية أو التهابات إذا احتوت المنتجات التجارية على شوائب بروتينية.
واختتمت خمدن حديثها بالتأكيد على أن الإكسوسوم يمثل مستقبلًا واعدًا في الطب التجديدي، إلا أن نضوجه العلمي والتنظيمي لم يكتمل بعد بما يكفل ضمان سلامته على المدى الطويل.
وقالت إن القرار الأكثر حكمة يتمثل في عدم الانسياق وراء الوعود التسويقية، واستشارة الأطباء المختصين، والالتزام بالاستخدامات الموضعية المعتمدة حاليًا، مع تجنب أي طرق حقن غير مرخصة إلى حين اكتمال الأدلة العلمية.
الاستخدام المسؤول
وأشار استشاري أمراض الجلدية والتجميل والليزر، ورئيس رابطة أطباء الجلدية الدكتور حسين جمعة، إلى أن استخدام الإكسوزوم يتم غالبًا بصورة موضعية بعد إجراءات مثل الليزر والتقشير والديرمابن أو المايكرونيدلينغ، بهدف دعم التئام الجلد وتحسين نضارته وجودته، أما الحقن داخل الجلد أو تحته فيخضع لتقدير الطبيب وفق خبرته وما يتوافر من دراسات حول سلامة المنتج وفعاليته، باعتباره يختلف تنظيميًا وطبيًا عن الاستخدام الموضعي.
وأوضح أن الآلية المفترضة لعمل الإكسوزومات تقوم على نقل الإشارات بين الخلايا، بما قد يسهم في تقليل الالتهاب، ودعم ترميم الجلد، وتحفيز إنتاج الكولاجين والإيلاستين، وتحسين البيئة الخلوية للبشرة. لكنه شدد على أن هذه الآليات لا تعني بالضرورة أن جميع المنتجات المتوافرة في الأسواق تتمتع بالمستوى نفسه من الفعالية أو الأمان، نظرًا لاختلاف مصادر الإكسوزومات وطرق تصنيعها وتنقيتها وتركيزها وتعقيمها وثباتها من شركة إلى أخرى.
وأكد أنه لا توجد حتى الآن موافقة عامة من هيئة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) على منتجات الإكسوزوم لعلاج الأمراض أو للاستخدام في الحقن التجميلي، إذ أوضحت الهيئة أن هذه المنتجات تحتاج إلى موافقات رسمية قبل استخدامها علاجيًا، فيما يخضع الوضع التنظيمي في أوروبا لتقييمات مختلفة.
وأضاف أن غالبية المنتجات المطروحة مستخلصة من مصادر نباتية، وهو ما يفسر التحذيرات الصادرة عن بعض الجهات الصحية، ومنها الجمعية السعودية لأمراض وجراحة الجلد، التي دعت إلى مناقشة هذه الموضوعات داخل المؤتمرات والمحافل العلمية، وعدم تحويلها إلى نقاشات عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد تؤدي إلى التباس لدى الجمهور.
وبيّن أن الإكسوزومات ليست خلايا حية ولا تتحول إلى خلايا سرطانية، وإنما هي حويصلات خارج خلوية تحمل مواد بيولوجية تختلف باختلاف مصدرها وطريقة تصنيعها. وفي المقابل، فإن المجال ما يزال واعدًا، وهناك دراسات منشورة تتناول استخدامات محتملة لها، إلا أن الاستخدام العلاجي المعتمد، خصوصًا في علاج السرطان أو التطبيقات الطبية الكبرى، لا يزال ضمن نطاق البحث والتجارب السريرية.
وأشار إلى أن المخاطر المحتملة لحقن الإكسوزومات تشمل الالتهابات، وردود الفعل التحسسية، والتكتلات، إضافة إلى احتمال تفاعل الجسم مع منتجات غير نقية أو مجهولة المصدر.
وفيما يتعلق باستخدامها داخل العيادات، شدد جمعة على ضرورة التمييز بين الاستخدام الموضعي ضمن بروتوكولات التجميل، وبين الحقن بوصفه إجراءً علاجيًا، موضحًا أن كثيرًا من العلاجات التجميلية لا تخضع لمسار اعتماد الأدوية ذاته لدى هيئة الغذاء والدواء الأميركية أو وكالة الأدوية الأوروبية، لأن تصنيفها يختلف بحسب طبيعة الاستخدام.
وأضاف أن عدم حصول المنتج على موافقة هيئة الغذاء والدواء الأميركية لا يعني بالضرورة أنه غير آمن أو غير فعّال، وإنما يعني أنه لم يمر بمسار الاعتماد الدوائي الرسمي لذلك الاستخدام المحدد. كما أن استخدام الإكسوزومات في دول مثل كوريا واليابان لا يعني أن جميع المنتجات أو طرق استخدامها تحظى بالاعتماد نفسه على المستوى العالمي.
وأكد أن التجارب الدولية تظل مهمة، لكنها لا تغني عن الالتزام بالأنظمة المحلية، ولا عن تقييم الطبيب المعالج، أو اختيار منتجات موثوقة معروفة المصدر، ومستوفية لمعايير الجودة والتعقيم والنقاوة والثبات، مع الالتزام بطريقة الاستخدام المصرح بها.
وفي تعليقه على بيان وزارة الصحة السعودية، قال إن قراءة مثل هذه البيانات يجب أن تكون متوازنة ومهنية، فالغرض منها ليس إغلاق الباب أمام البحث العلمي أو التقنيات الواعدة، وإنما الحد من التسويق المبالغ فيه، والحقن العشوائي، واستخدام منتجات غير مرخصة أو مجهولة المصدر، أو الادعاء بفعالية علاجية لم تثبتها الأدلة العلمية.
وأضاف أن من المهم أيضًا إدراك اختلاف المسار التنظيمي للحقن التجميلية، مثل إبر النضارة، عن المسار التنظيمي للأدوية التقليدية.
وأشار إلى أن عدم حصول المنتج على موافقة هيئة الغذاء والدواء الأميركية لا يعني تلقائيًا أنه غير آمن أو غير فعّال، خاصة أن كثيرًا من المنتجات التجميلية تُستخدم في عدد من الدول وفق أنظمتها المحلية، رغم عدم حصولها على اعتماد أميركي لهذا الاستخدام.
وأوضح أن استخدام أي منتج من الإكسوزوم ينبغي أن يستند إلى وضوح مصدره، وتوافر بيانات السلامة، والالتزام بمعايير الجودة والتصنيع والتعقيم، ووجود دراسات علمية داعمة، إلى جانب توضيح طبيعة الإجراء للمريض والحصول على موافقته المستنيرة، خاصة إذا كان الاستخدام لا يزال خارج نطاق الاعتماد الرسمي.
وأكد أن مسؤولية الطبيب تتمثل في تقييم سلامة المنتج وفعاليته، واختيار المنتجات الموثوقة، وشرح مستوى الأدلة العلمية للمريض قبل استخدامه.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الإكسوزوم مادة واعدة في مجال تجديد البشرة والطب التجميلي، وقد يكون لها مستقبل مهم في تخصص الجلدية، إلا أن استخدامها يجب أن يتم بعقلانية وتحت إشراف طبي متخصص، بعيدًا عن التهويل أو التخويف غير العلمي من جهة، وبعيدًا عن التسويق المبالغ فيه أو الحقن غير المنضبط من جهة أخرى، مشددًا على أن سلامة المريض وجودة المنتج والالتزام بالأنظمة المحلية تبقى الأساس.
علاجات ناشئة
وأكد استشاري جراحة التجميل الدكتور أحمد العصفور أن الإكسوزومات (Exosomes) تُستخدم في المجال التجميلي، لكنها لا تزال من العلاجات الناشئة، ولم تصبح حتى الآن علاجًا قياسيًا معتمدًا لمعظم الاستخدامات التجميلية.
وأوضح أنها تُستخدم بهدف تحسين جودة البشرة، وإضفاء النضارة، والمساعدة في تسريع التعافي بعد إجراءات مثل الليزر أو المايكرونيدلينغ، إلى جانب تقليل الالتهاب والاحمرار، ودعم تجدد الجلد وتحسين ملمسه، كما تتناول دراسات دورها المحتمل في علاج تساقط الشعر.
وأضاف أن بعض العيادات تلجأ إلى حقن الإكسوزومات مباشرة في الوجه، إلا أن الأدلة العلمية المتعلقة بفعالية هذا الأسلوب وأمانه ما تزال محدودة مقارنة باستخدامها الموضعي بعد جلسات المايكرونيدلينغ أو الليزر.
وأشار إلى أنه لا توجد حتى الآن موافقة واسعة من الجهات التنظيمية، مثل هيئة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)، على منتجات الإكسوزومات للاستخدام التجميلي في الوجه، لافتًا إلى أن الوضع التنظيمي يختلف من دولة إلى أخرى.
وشدد على أهمية التحقق من مصدر الإكسوزومات وجودة تصنيعها، مؤكدًا أن المنتجات المتوافرة في الأسواق لا تخضع جميعها لمعايير الجودة ذاتها، وأن استخدامها يجب أن يكون لدى طبيب مختص وعلى دراية بمصدر المنتج وتركيبه والاستخدامات المصرح بها.
وأضاف أن النتائج الأولية للدراسات تبدو مشجعة، خصوصًا فيما يتعلق بتحسين جودة الجلد وتسريع الالتئام، إلا أن الحاجة ما تزال قائمة إلى دراسات سريرية أكبر ولمدد أطول لتحديد مدى فعاليتها والجرعات المثلى وآثارها بعيدة المدى.
وقال إن الإكسوزومات، من منظور جراح التجميل، ينبغي أن تُعد في الوقت الحالي علاجًا مساعدًا (Adjunctive Therapy)، وليست بديلًا عن العلاجات المثبتة مثل الليزر، والريتينويدات، وحقن الدهون الذاتية أو الإجراءات الجراحية عند الحاجة.
رفض التجاوزات
أكد استشاري جراحة التجميل والترميم وجراحات اليد الدكتور عبدالله فخرو أن هذا الملف يهم أطباء التجميل والترميم بصورة مباشرة، لأنه يبرز كيف يمكن للدعاية المضللة أن تدفع بعض الممارسين إلى تجاوز حدود الترخيص والاستخدام الآمن للمنتجات.
وأوضح أن مستحضرات الإكسوزوم صُممت للاستعمال الخارجي، وليس للحقن، إلا أن بعض الممارسين يروجون لها باعتبارها حقنًا آمنة، مستندين إلى تجارب شخصية بدلًا من الدراسات العلمية والاعتمادات الرسمية، الأمر الذي قد يعرّض المرضى لمخاطر غير مبررة ويؤثر في ثقة المجتمع بالتخصص.
وأضاف أن مسؤولية أطباء التجميل لا تقتصر على استخدام أحدث التقنيات، بل تمتد إلى حماية المرضى من المبالغة والوعود غير الواقعية، خصوصًا في مجال الحقن التجميلي، مشددًا على أن الالتزام بالتعليمات العلمية والأنظمة التنظيمية يحافظ على سلامة المرضى وصورة المهنة في المجتمع.
وفي تعليقه على بيان وزارة الصحة السعودية، قال إن البيان جاء في مكانه، وأرسل رسالة واضحة أن القضية لا تتعلق بخلاف علمي بسيط، وإنما بمخالفة صريحة لتعليمات استخدام منتج مخصص للاستعمال الخارجي جرى الترويج له باعتباره حقنا آمنا.
وأضاف أن البيان أكد بوضوح أن التجارب الشخصية أو الآراء الفردية لا يمكن أن تحل محل الدراسات العلمية، ولا تغني عن الالتزام بأنظمة الهيئة العامة للغذاء والدواء، وهو ما ينبغي أن يلتزم به الأطباء قبل الترويج لأي إجراء أو منتج.
وقال: «أرى، بصفتي جرّاح تجميل وترميم، أن هذا النوع من البيانات يخدمنا ويحمي المرضى قبل أن يكون عقوبة، لأنه يضع حدًا فاصلًا بين الطب المبني على الدليل العلمي وبين الدعاية أو الاستعراض عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فعندما توقف وزارة الصحة رخصة أي ممارس يخالف تعليمات الاستخدام أو يضلل الناس، فإنها تحافظ على ثقة المجتمع في القطاع الصحي، وتحمي المرضى من ممارسات غير محسوبة. وعلينا، كأطباء تجميل، أن نكون جزءًا من هذه الجهود، من خلال توضيح الفرق بين البحث العلمي والدعاية، ورفض أي ممارسة تتجاوز حدود الترخيص أو تستخدم فيها المنتجات بطرق غير منصوص عليها في تعليماتها الأصلية».
منظور علمي
قالت طبيبة بروفيسور مشارك ورئيس قسم أورام الجهاز الهضمي في مركز هيلمان للسرطان بجامعة بيتسبرغ الأميركية، ورئيسة لجنة سرطان القولون والمستقيم في مؤسسة NSABP، الدكتورة أنوار محمد باقر المساعد، إن الإكسوسومات تمثل أحد أكثر المجالات إثارة للاهتمام في الطب التجديدي، إلا أن الحماس التجاري المتزايد تجاهها يسبق حتى الآن قوة الأدلة العلمية المتوافرة.
وأوضحت أن الإكسوسومات هي حويصلات مجهرية تفرزها خلايا الجسم بصورة طبيعية، وتعمل كوسيلة اتصال تنقل البروتينات والدهون والحمض النووي الريبي (RNA) وجزيئات أخرى تنظم وظائف الخلايا، لذلك ينظر إليها الباحثون بوصفها تقنية واعدة في إصلاح الأنسجة وتحسين الالتئام.
وأضافت أن هذه الخصائص نفسها تستوجب قدرًا كبيرًا من الحذر؛ فمن منظور علم الأورام تؤدي الإكسوسومات دورًا في تنظيم نمو الخلايا، وتكوين الأوعية الدموية، والاستجابة المناعية، وهي مسارات ترتبط أيضًا ببيولوجيا الأورام. كما أن الخلايا السرطانية تستخدم الإكسوسومات للتواصل مع البيئة المحيطة بها، بما قد يساعدها على النمو أو الانتشار في بعض الحالات.
وأكدت أن هذه الحقائق لا تعني أن حقن الإكسوسومات التجميلية تسبب السرطان، إذ لا توجد أي دراسة سريرية أو تقرير علمي موثوق يثبت حدوث ذلك لدى البشر، لكنها في الوقت نفسه شددت على عدم وجود دراسات طويلة الأمد تؤكد بصورة قاطعة سلامتها من الناحية السرطانية، خصوصًا لدى مرضى السرطان أو من لديهم استعداد وراثي للإصابة بالأورام.
وأضافت أن الطب المبني على الدليل يقوم على قاعدة واضحة، مفادها أن غياب الدليل على وجود الضرر لا يعني بالضرورة وجود دليل على غياب الضرر، وهو ما يفرض الحاجة إلى دراسات أكبر ولمدد أطول قبل اعتماد هذه التقنية على نطاق واسع.
وتطرقت إلى سلامة المنتجات المتداولة في الأسواق، معتبرة أنها تمثل القضية الأهم حاليًا، لأن الاختلاف الكبير بين المنتجات من حيث المصدر وطريقة التصنيع والنقاوة والتعقيم والتركيز والمحتوى البيولوجي يجعل تقييمها أكثر تعقيدًا.
وأشارت إلى أن إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) أصدرت في عام 2019 تحذيرًا رسميًا عقب تسجيل مضاعفات خطيرة لدى مرضى تلقوا منتجات غير معتمدة جرى تسويقها على أنها تحتوي على الإكسوسومات، موضحة أن تلك المضاعفات شملت حالات عدوى بكتيرية شديدة ارتبطت باستخدام منتجات غير مرخصة أو غير مطابقة لمعايير التصنيع والتعقيم.
وأضافت أن هذه الوقائع لا تثبت وجود خطر سرطاني، لكنها تؤكد في المقابل أن استخدام منتجات بيولوجية غير خاضعة للرقابة قد يعرّض المرضى لمضاعفات حقيقية يمكن تجنبها من خلال التنظيم والرقابة الصارمة.
وأكدت أنه لا توجد حتى اليوم أي حقن إكسوسومات حاصلة على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية للاستخدام التجميلي أو العلاجي، كما لا توجد موافقات مماثلة من معظم الهيئات التنظيمية الكبرى، مثل وكالة الأدوية الأوروبية (EMA)، وهو ما يعكس أن الأدلة العلمية الحالية لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب لاعتمادها كممارسة علاجية روتينية.
وفي تعليقها على انتشار الإعلانات الخاصة بالإكسوسومات في بعض العيادات، قالت إن من الطبيعي أن يسعى الأطباء إلى تبني أحدث التقنيات، لكن هذا الابتكار يجب أن يقترن بالالتزام العلمي والأخلاقي.
وأضافت أن تسويق الإكسوسومات على أنها علاج مثبت أو مضمون النتائج، أو أنها آمنة لمجرد أنها “طبيعية”، لا يعكس الصورة العلمية الكاملة، لأن المنتجات البيولوجية معقدة بطبيعتها، وتتأثر نتائجها بمصدرها وطريقة تحضيرها وجودتها، ولا يمكن اختزالها في رسائل دعائية مبسطة.
وأكدت أهمية حصول المريض على معلومات واضحة حول مستوى الأدلة العلمية، وما إذا كان المنتج معتمدًا من الجهات التنظيمية، وما إذا كانت فوائده ومخاطره مدعومة بدراسات سريرية قوية، حتى يتمكن من اتخاذ قرار مستنير.
وأوضحت أن عدم حصول أي منتج على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية لا يعني تلقائيًا أنه غير آمن أو غير فعّال، كما أن لكل دولة هيئتها التنظيمية، إلا أن ذلك لا يجعل غياب الموافقات التنظيمية من الهيئات الكبرى أمرًا ثانويًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمنتجات بيولوجية معقدة مثل الإكسوسومات.
وأضافت أن الإكسوسومات ليست مجرد “إبر نضارة”، بل منتجات بيولوجية تحتوي على بروتينات وجزيئات فعالة مثل الـRNA والـmicroRNA، وتستهدف التأثير في وظائف الخلايا وتحفيز عمليات الإصلاح والتجدد، ولذلك تختلف آلية تقييمها تنظيميًا عن كثير من المستحضرات التجميلية التقليدية.
كما أوضحت أن هناك خلطًا شائعًا بين وسيلة إعطاء العلاج وبين المادة العلاجية نفسها، فالإبرة تُعد جهازًا طبيًا، بينما الإكسوسومات المحقونة تُصنف كمنتج بيولوجي يخضع لاشتراطات علمية وتنظيمية مختلفة، وهو ما يفسر التحذيرات الرسمية الصادرة بشأن المنتجات غير المعتمدة.
ورغم ذلك، شددت على أنها لا تنظر إلى الإكسوسومات بنظرة تشاؤمية، مؤكدة أن هذا المجال يعد من أكثر المجالات الواعدة في أبحاث الأورام، سواء في التشخيص المبكر عبر الخزعة السائلة، أو متابعة الاستجابة للعلاج، أو اكتشاف مقاومة الأدوية، أو حتى نقل العلاجات مستقبلًا إلى الخلايا السرطانية بدقة.
وقالت إن هذا المستقبل العلمي الواعد يتطلب المرور أولًا بمراحل البحث والتجارب السريرية والرقابة التنظيمية، قبل الانتقال إلى الاستخدام الواسع في الممارسة الطبية.
وأضافت: “الإكسوسومات تقنية تحمل آفاقًا كبيرة في الطب التجديدي، لكنها ما تزال بحاجة إلى مزيد من الأدلة العلمية قبل اعتبارها علاجًا تجميليًا راسخًا. ولا توجد حتى اليوم أدلة تثبت أنها تسبب السرطان، لكن لا توجد أيضًا بيانات طويلة الأمد تؤكد سلامتها بصورة نهائية، خاصة لدى الفئات الأكثر عرضة للخطر.”
وشددت على أن ثقة المرضى تُبنى على العلم، لا على الحملات الإعلانية، مؤكدة أن نجاح أي تقنية طبية يقاس بقدرتها على إثبات السلامة والفعالية من خلال الدراسات العلمية الرصينة.
واختتمت حديثها بالقول: “من وجهة نظري كاستشارية في طب الأورام وباحثة في التجارب السريرية، لا أوصي بالاستخدام الروتيني لحقن الإكسوسومات في العيادات التجميلية في الوقت الحالي، لأن المنتجات البيولوجية الجديدة يجب أن تخضع لدراسات سريرية محكمة، ومتابعة طويلة الأمد، ومراجعة تنظيمية صارمة قبل أن تصبح جزءًا من الممارسة الطبية اليومية. ومن واجبنا كأطباء أن يكون الدليل العلمي هو الذي يقود قراراتنا، لا سرعة انتشار التقنية أو قوة الحملات الإعلانية.
