في كل عام، يقف العالم في الحادي عشر من يوليو أمام واحدة من أكثر صفحات أوروبا الحديثة ظلمةً؛ ذكرى مجزرة سريبرينيتسا التي وقعت خلال الفترة من 11 إلى 22 يوليو 1995، حيث قُتل أكثر من ثمانية آلاف من مسلمي البوسنة بعد سقوط المدينة التي كانت الأمم المتحدة قد أعلنتها "منطقة آمنة". وقد وصفت المحاكم الدولية هذه الجريمة بأنها إبادة جماعية، لتصبح أول إبادة تُرتكب على الأراضي الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.
أتذكر هذه المجزرة وتبعاتها النفسية علينا، فقد كانت عناوين الصحف اليومية الخليجية في ذلك الوقت تعج بالغضب والألم: "إبادة جماعية في سريبرينيتسا.. الصرب يذبحون آلاف المسلمين في تحدٍ سافر للمجتمع الدولي"، "هولوكوست جديد في البلقان: مجازر الصرب تستهدف الوجود الإسلامي في البوسنة"، "مذبحة العصر في سريبرينيتسا.. دماء المسلمين تنزف وصمة عار في جبين الأمم المتحدة"، ولهجت ألسنتنا بالدعاء، وبدأت حملات التبرع في بعض دول الخليج تعبيراً عن التضامن مع الضحايا وأهاليهم.
لكن إحياء الذكرى لا ينبغي أن يكون مجرد استعادة لأرقام الضحايا أو استذكار لمشهد تاريخي مؤلم، بل فرصة لطرح السؤال الذي يتكرر كل عام: هل تعلم العالم شيئًا من سريبرينيتسا؟
أولًا: حماية المدنيين، بين الوعد والواقع. كانت سريبرينيتسا تحت حماية قوات الأمم المتحدة، ووُصفت رسميًا بأنها "منطقة آمنة"، لكن هذا الوصف لم يمنع وقوع المجزرة، وبقي المدنيون دون حماية فعالة عندما احتاجوا إليها أشد الحاجة. هذا الفشل يثير سؤالاً أخلاقياً عميقاً: ما قيمة الحماية الدولية إذا لم تستطع حماية المدنيين عندما يكونون في أشد الحاجة إليها؟
ثانيًا: التهجير، مأساة تتكرر. سبق القتلَ في سريبرينيتسا التهجيرُ، حيث أُجبر آلاف المدنيين على مغادرة مناطقهم ضمن سياسة عُرفت لاحقًا بالتطهير العرقي. فقد هؤلاء الضحايا ليس فقط منازلهم، بل جزءًا من استقرارهم وذاكرتهم وحياتهم اليومية.
ثالثًا: مسؤولية المجتمع الدولي، هل يكفي التعبير عن الأسف؟ ربما يكون الدرس الأكبر من سريبرينيتسا أن المجتمع الدولي اعترف، بعد سنوات، بأنه أخفق في منع وقوع المجزرة. وأصبحت عبارة "لن يتكرر ذلك أبدًا" شعارًا يتردد في كل مناسبة لإحياء الذكرى.
واليوم، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذا الالتزام المعلن إلى إجراءات فعالة قبل أن تتفاقم الأزمات، لا بعد أن تصبح جزءًا من كتب التاريخ. فالوعود والقرارات الدولية لا معنى لها إذا لم تُترجم إلى حماية حقيقية على الأرض.
كي لا ننسى
إن إحياء ذكرى سريبرينيتسا ليس مناسبة لتغذية الكراهية، ولا ينبغي أن يكون وسيلة لتبرير مواقف سياسية، بل هو تذكير بأن حماية الإنسان يجب أن تبقى قيمة عالمية لا تتغير باختلاف الجغرافيا أو الهوية.
ومازالت عمليات الإبادات الجماعية مستمرة بين حين وآخر في أصقاع العالم. ولعل الرسالة الأهم التي تحملها هذه الذكرى هي أن العدالة لا تبدأ في قاعات المحاكم فحسب، بل تبدأ عندما يرفض العالم الصمت أمام معاناة المدنيين، أيًّا كانوا، وحيثما كانوا، فالتاريخ لا يطلب منا أن نعيد مآسيه، بل أن نتعلم منها.
كي لا ننسى.. ليست سريبرينيتسا وحدها، بل كل إنسان فقد حياته أو بيته أو كرامته بسبب الحرب والإبادة والتطهير العرقي. ولتبقَ حماية المدنيين، ورفض التهجير القسري، والسعي إلى منع الفظائع الجماعية مبادئ تُطبَّق على الجميع دون استثناء.
مدير أول سابق بغرفة تجارة وصناعة البحرين
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |