تسعى الحكومات في مختلف دول العالم إلى نشر ثقافة ترشيد استهلاك الكهرباء والمياه، وتبذل جهودًا كبيرة من خلال التشريعات، وحملات التوعية، ووضع معايير لكفاءة الطاقة والمباني. إلا أن هذه الجهود، مهما بلغت من الجدية، لن تحقق أهدافها ما لم تتحول إلى ثقافة مجتمعية يشارك فيها المهندس والمطور العقاري والمقاول وصاحب المنزل، فالحكومة وحدها لا تستطيع الوصول إلى غاياتها دون شراكة حقيقية مع المجتمع.
لقد فرض ما يُسمى بالبناء الحديث نموذجًا عمرانيًا يعتمد بصورة كبيرة على استهلاك الطاقة. فأصبحت المباني تُصمم بواجهات زجاجية واسعة، وبمواد إنشائية تختزن الحرارة، مع ضعف واضح في العزل الحراري، الأمر الذي جعل أجهزة التكييف تعمل لساعات طويلة لتوفير بيئة مريحة داخل المبنى. ونتيجة لذلك، ارتفع الطلب على الكهرباء إلى مستويات دفعت الدول إلى استثمارات ضخمة في إنشاء محطات جديدة لتوليد الطاقة، في حين أن جزءًا كبيرًا من هذا الطلب كان يمكن تجنبه لو أُحسن تصميم المباني منذ البداية.
ولا يتوقف الأثر عند استهلاك الكهرباء، بل يمتد إلى صناعة مواد البناء نفسها، حيث تعتمد كثير من المنتجات الحديثة على عمليات صناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة، وتستخدم مواد كيميائية تترك آثارًا بيئية لا يمكن تجاهلها، سواء أثناء التصنيع أو خلال دورة حياة المبنى. لذلك، فإن الحديث عن المباني الصديقة للبيئة لم يعد ترفًا هندسيًا، بل أصبح ضرورة اقتصادية وبيئية ووطنية. وقد يكون من المناسب إعادة النظر في مواد البناء المحلية التي أثبتت نجاحها عبر التاريخ، مثل الطين وسعف النخيل، مع تطويرها باستخدام التقنيات الحديثة لتلبي متطلبات السلامة والجودة والاستدامة. فهذه المواد تمتاز بقدرتها الطبيعية على العزل الحراري، وتخفض الحاجة إلى أجهزة التكييف، وتقلل البصمة الكربونية مقارنة بكثير من المواد الصناعية المتداولة اليوم.
يعتقد البعض أن الحل يكمن في تركيب الألواح الشمسية على المباني. ورغم أهمية الطاقة المتجددة ودورها في تنويع مصادر الطاقة وخفض الانبعاثات، فإن الاقتصار عليها لا يعالج أصل المشكلة. فإذا بقي المبنى يستهلك الكمية نفسها من الكهرباء بسبب سوء التصميم وضعف العزل، فإننا نكون قد غيرنا مصدر الطاقة دون أن نقلل الحاجة إليها. فالهدف الحقيقي يجب أن يكون خفض الطلب على الطاقة من الأساس، وليس مجرد تغيير مصدر إنتاجها.
إن أكبر أسباب ارتفاع استهلاك الكهرباء في منطقتنا هو غياب العزل الحراري الفعال، واستخدام مواد تمتص الحرارة وتخزنها، إلى جانب التصاميم التي تتباهى بالمساحات الزجاجية الكبيرة دون مراعاة طبيعة المناخ. ولهذا فإن البداية الصحيحة تكمن في تصميم مبانٍ تقلل اكتساب الحرارة، وتعتمد على التهوية الطبيعية، وتستخدم مواد مستدامة وعازلة، بحيث ينخفض الاعتماد على أجهزة التكييف التي تمثل أكبر مستهلك للكهرباء في معظم المباني.
أما المياه، فهي لا تقل أهمية عن الطاقة. وقد نهى الإسلام عن الإسراف فيها حتى عند الوفرة، وأصبح الحفاظ عليها اليوم واجبًا شرعيًا وأخلاقيًا ووطنيًا. ومع ذلك، فإن معظم المباني الحديثة لا تزال تعتمد على نظامين فقط: خط لتزويد المياه وخط للصرف الصحي، دون الاستفادة من المياه الرمادية التي يمكن إعادة استخدامها.
إن ترشيد المياه لا ينبغي أن يقتصر على إغلاق الصنبور بإحكام أو استخدام وسائل ري أكثر كفاءة، على أهميتها، لأن المشكلة تبدأ من التصميم الهندسي للمبنى نفسه. فمن غير المنطقي أن تُصرف مياه المغاسل النظيفة نسبيًا مباشرة إلى شبكة الصرف الصحي، بينما يمكن معالجتها معالجة بسيطة وتخزينها لاستخدامها في تغذية صناديق طرد المراحيض أو في ري الحدائق. كما أن المياه المتكاثفة الناتجة عن أجهزة التكييف، والتي تهدر يوميًا بكميات كبيرة، يمكن جمعها واستعمالها في الري، وغسل السيارات، وتنظيف الساحات والممرات.
وتزداد أهمية هذه الحلول في المباني العامة مثل المساجد والمدارس والقاعات والصالات الرياضية، حيث تُستهلك كميات كبيرة من المياه يوميًا، ويضيع جزء كبير منها دون الاستفادة منه في الاستخدامات التي لا تتطلب مياهًا صالحة للشرب. ولو أُلزم تصميم هذه المباني بأنظمة فصل وتجميع وإعادة استخدام المياه الرمادية، لأمكن توفير ملايين اللترات سنويًا، وخفض الضغط على شبكات المياه والصرف الصحي.
إن الحركة التصحيحية في البناء التي نحتاج إليها اليوم ليست مجرد تعديل في شكل المباني، بل هي تغيير في فلسفة البناء بأكملها. فلسفة تجعل المبنى جزءًا من الحل لا سببًا للمشكلة، وتربط بين التصميم المعماري والهندسة البيئية والاقتصاد في استهلاك الموارد. إنها دعوة للعودة إلى المواد الطبيعية المطورة، والالتزام بالعزل الحراري، وإعادة استخدام المياه، واعتماد معايير الاستدامة منذ مرحلة التصميم.
إن مستقبل مدننا لن يُبنى بكثرة محطات الكهرباء أو التوسع في إنتاج المياه فحسب، بل ببناء مبانٍ لا تستنزف هذه الموارد من الأساس. فالمبنى المستدام هو الذي يحتاج إلى طاقة أقل، ويستهلك مياها أقل، ويحافظ على البيئة أكثر. وعندما تصبح هذه الرؤية أساسًا للتخطيط العمراني، سنحقق الترشيد الحقيقي الذي تنشده الحكومات، ونؤسس لمدن أكثر كفاءة واستدامة وجودة للحياة.
كاتب بحريني
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |