كثيراً ما يُطرح في مجالسنا العقارية، وبين رشفات القهوة في مكاتب الوسطاء، ذلك التساؤل والمنظور المقارن التقليدي: أين نحن من الطفرات العقارية التي تشهدها بعض الأسواق الخليجية المجاورة؟ وفي رأيي المتواضع، من الخطأ أن نقارن أسواقنا بالمساحة أو بحجم المشاريع الكبرى، دون أن ننظر بعين فاحصة إلى طبيعة وهوية كل سوق؛ فالعقار ليس مجرد قوالب أسمنتية تتشابه، بل هو انعكاس لبيئة استثمارية واقتصادية متكاملة.
ولو فككنا المشهد الإقليمي اليوم، لوجدنا أن لكل سوق عقاري هويته الخاصة. فهناك أسواق مثل سوق دبي تتميز بسيولة عالمية مرتفعة تستقطب شرائح متنوعة من المستثمرين الدوليين، وأخرى تقودها تمويلات ضخمة لمشاريع وطنية كبرى تشهد توسعًا عمرانيًا متسارعًا مثل سوق الرياض، ولكل منها خصائصها وفرصها الاستثمارية التي تناسب أهدافًا مختلفة. ولذلك فإن نجاح أي سوق لا يقاس بتشابهه مع غيره، بل بقدرته على استثمار نقاط قوته وتعزيز ميزته التنافسية.
أما هنا في البحرين، فالأرقام تتكلم بلغة العقلانية والمنطق؛ إذ تؤكد إحصائيات المعاملات العقارية الأخيرة مقارنة بالربع السابق، ومع مقارنتها بالفترة نفسها من العام الماضي، أننا نسير بخطى ثابتة نحو نمو متوازن في منطقة الأمان والاستقرار المستدام. ميزتنا التنافسية اليوم تكمن في تحقيق معادلة عادلة بين العائد الجاذب والكلفة التشغيلية والتنظيمية الأكثر تنافسية إقليميًا. هذا التميز لا يرتكز على فراغ، بل يستند إلى منظومة تشريعية صلبة وإجراءاتٍ واضحة تمنح المستثمر الحصيف ثقة راسخة للدخول في استثمارات طويلة الأجل، والبحث عن أصل حقيقي يحافظ على قيمته وينمو باتزان، بعيدًا عن الركض وراء المكاسب السريعة والمضاربات.
خلاصة القول، قد تكون بعض الأسواق الأكبر حولنا قادرة على جذب الأنظار بحجم مشاريعها وسرعة نموها، إلا أن لكل نموذج استثماري تحدياته وميزاته. أما السوق المتوازن، فإنه يمنح المستثمر مساحة أوسع للتخطيط، وإدارة المخاطر، وبناء استراتيجية استثمارية أكثر هدوءًا واستدامة. فالأسواق الكبيرة قد تجذب المستثمر، أما الأسواق المستقرة فهي التي تحتفظ به.
ختم الطابو
ورغم العدوان الإيراني الغاشم وما صاحبه من تحديات، تمضي البحرين بثقةٍ وثبات في مسيرتها التنموية، مستندةً إلى وحدة شعبها، وقيادتها الحكيمة، وإيمانها الراسخ بأن التنمية والاستقرار وجهان لمسيرة واحدة.
*خبير عقاري بحريني