مع دخولنا لفصل الصيف، وهو الموسم المفضل للانتقالات السكنية ويعتبر من أفضل أوقات السنة في سوق الإيجارات، يتبادر إلى ذهننا تساؤلات تتمحور حول قيم الإيجار وتقلبات العرض والطلب. ولكن من واقع المجالس والاتصالات التي تردنا من إخواني الملاك، نجد أن هناك تساؤلاً آخر يفرض نفسه كقاسم مشترك وأهم: “كيف أضمن التزام المستأجر بالسداد دون الدخول في دهاليز المحاكم؟”. هذا التساؤل بحد ذاته يضع الإصبع على الجرح، ويلخص التحدي الأكبر الذي يواجه سوق الإيجارات المحلي.
فعلى الرغم من وفرة المعروض العقاري وانخفاض القيم الإيجارية في العديد من المناطق، فإن التحدي الأكبر لم يعد في إيجاد المستأجر، بل في ضمان استدامة الدخل طوال مدة العقد. ومن واقع متابعتنا للسوق، نلاحظ تزايد ملفات التنفيذ المرتبطة بالإيجارات غير المسددة، وصعوبة تحصيل بعض المديونيات؛ حتى بات بعض الملاك يواجه مبالغ مستحقة لا تتناسب كلفة ووقت ملاحقتها قانونيًّا مع فرص استردادها، مما يدفع البعض لتفضيل إبقاء وحداتهم شاغرة على خوض نزاع مرير.
وقد انعكس هذا المشهد على السوق بأكمله، وخلق تحديات جديدة أمام الوسطاء العقاريين الذين يواجهون اليوم مسؤوليات أكبر في التحقق والمتابعة، مقابل عمولات لا تعكس حجم المخاطر مع عدم التزام بعض الملاك في دفع النسبة الكاملة. الأمر الذي يؤكد الحاجة إلى حلول تنظيمية ورقمية كفاءة تحفظ حقوق جميع الأطراف، وهو ما يفتح الباب واسعًا للاعتماد على الكوادر الوطنية؛ فحصر هذه الصلاحيات والأنظمة المتطورة في يد الوسطاء البحرينيين المرخصين سيسهم بشكل مباشر في توفير فرص عمل نوعية ومستدامة للشباب في قطاع إدارة العقارات.
ومن هذا المنطلق، أرى أن الحل لا يكمن في زيادة التعقيد أو إضافة إجراءات جديدة، بل في بناء منظومة رقمية متكاملة ومحوكمة تقودها الجهات التنظيمية والتشريعية، بما يحقق التوازن بين سرعة الإجراءات وحفظ الحقوق وتعزيز الثقة في السوق. ويمكن اختصار ذلك في خطوتين رئيستين:
أولاً: الربط بين مؤسسة التنظيم العقاري (RERA) وشبكة (بنفت): لربط رخص الوساطة وعقود الإيجار بالشبكة الائتمانية لـ “بنفت”، مما يتيح للوسيط البحريني المرخص الاستعلام القانوني عن السجل الائتماني للمستأجر (Credit Score) ومعرفة مدى انتظامه المالي سابقاً، وهو ما يقطع الطريق على المماطلين ويحمي الاستثمار.
ثانيًا: ربط التوثيق وكتابة العدل بالوسطاء لتوحيد العقود: عبر إنشاء نظام ربط مباشر وحصري يتيح للوسطاء المرخصين فقط توثيق العقود وربطها بـ (كاتب العدل). تكمن أهمية ذلك في توحيد نموذج العقود الإيجارية لإنهاء حالة التشعب والتشابك الحالية، وتسهيل عملية المتابعة، وضمان صياغتها كـ “سندات تنفيذية” تختصر سنوات التقاضي.
في الختام، أؤمن بأن مستقبل السوق العقاري لن يتحدد بحجم البنايات والمشاريع فقط، بل بقدرتنا على بناء منظومة أكثر كفاءة وعدالة وشفافية تحفظ حقوق الجميع. فكلما ارتفعت الثقة، ارتفعت معها جاذبية السوق واستدامته، وهو العامل الأهم في جذب المستثمرين الذين يبحثون عن الأمان والاستقرار لضخ رؤوس أموالهم وتنميتها في بيئة استثمارية آمنة ومربحة.
*خبير عقاري بحريني