على مدى أربعة قرون، ارتبط ثراء كثير من الدول الأوروبية بفعل الهيمنة، في عام 1500 م، حين كانت نسبة الأوروبيين من سكان العالَم لا تزيد عن 21 %، كانت نسبة دخل دولهم من الدخل العالمي 24 %. لكن هذه النسبة أصبحت 68 % في عام 1913 م، على الرغم من أن نفوس الأوروبيين لم تُشَكِّل حينها سوى 34 % من نفوس العالَم، وظلَّت ذات النسبة من الدخل تقريبًا لغاية عام 1950 م.
كيف حصل ذلك الثراء لهم، على الرغم من أن القسم الأكبر من ثروات العالَم ليست في أوروبا؟ يجيب التاريخ على هذا الأمر بالأرقام، ويُعنونها بـ “النهب المنظَّم” لثروات ليست مُلكًا للدول المهيمِنَة. في 28 فبراير عام 1845م صرَّح رئيس محكمة المُلاك في إحدى الدول الأوروبية، بأن الهند (كدولة مُهيمَن عليها) دفعت إليها جزية سنوية قدرها ثلاثة ملايين جنيه إسترليني؛ فضلاً عن تدفُّق متواصل من الثروة الهندية يُصَبُّ يوميًّا في حِجْر تلك الدولة الأوروبية كثروات خاصة.
وبين عامَيْ 1835م و1872م جَنَت ذات الدولة أرباحًا بقيمة مليار و288 مليون جنيه إسترليني؛ نتيجة صادرات السلع الهندية، و150 مليون جنيه إسترليني نتيجة القروض الممنوحة لبناء سكك الحديد. ونتيجة الخلل في الميزان التجاري، حصلت على 500 مليون جنيه إسترليني. وإذا ما أردنا أن نستوعب حجم ذلك النهب، فيجب أن نتخيَّل تلك المبالغ بحساب ذلك الزمان، الذي يساوي مليونه اليوم أضعافًا مضاعَفَة.
كانت شبه القارة الهندية (ومعها الصين) مَهدًا لخيرات الشرق، وعالَم الهنود الحمر وعاء الخيرات الغربية. وكانت الدول الأوروبية تتصارع على تلك الكنوز.
مقاطعة هندية واحدة، وهي ديناجبور التابعة لولاية البنغال الغربية، كان بها 5374 ميلًا مربعًا؛ تفوح منها روائح المحاصيل الزراعية طوال العام. بل كانت بعض الأراضي تُنتج ثلاثة محاصيل في العام، يُحصد أحدها في نهاية الصيف والآخر في الشتاء، وثالث في الربيع كما هو الحال مع أرز الـ “بورو”.
وكانت بعض صور النهب تأخذ أشكالاً مُركَّبة. فسفن بعض الدول الأوروبية، كانت تتحيَّن قدوم السفن الأوروبية المنافسة، والقادمة من الهند بعد أن أتمَّت نَهْبَها، ليستولوا عليها. ففي عام 1592م نَهَبَ أسطول إحدى الدول الأوروبية، سفينة “ناهِبَة” مُحَمَّلة بالجواهر والتوابل والحرير، تعادل نصف واردات إنجلترا السنوية. كان هذا السلوك في النهب - الذي لا تنتهي أمثلته - هو جوهر ما كان يُسمَّى زورًا بالاستعمار، وهو في حقيقته سيطرة إمبريالية، قولاً واحدًا.
كاتب بحريني