العدد 6461
الثلاثاء 23 يونيو 2026
مآتم البحرين.. دور ثقافي واجتماعي بارز
الثلاثاء 23 يونيو 2026

 منذ أكثر من قرن، ومنذ أن أبصرنا هذه الحياة، ونحن نجد الأجداد والآباء يحرصون على حضور المآتم الحسينية، يشاركون فيها أفراحهم وأتراحهم، فعرفنا أنها الملجأ والوسيلة، النبع والروح، الفيض الثقافي والزاد الديني الذي يتحلّقون حوله ويأخذون منه علومهم. الحديث عن المأتم في البحرين، بما يمثل من رابطة عقائدية وثيقة، وتشكيل لمظهر اجتماعي متأصل، ومنارة لعلامة معرفية تتناقلها الأجيال، يعدّ مكانًا رئيسًا لإحياء ذكرى مصيبة الإمام الحسين عليه السلام، خصوصًا في المناطق القروية، ومآتم المنامة ذات الطابع الخاص لما تحمل من إرث تاريخي. نحيي هذه الواقعة التي نعيش هذه الأيام ذكراها، مستلهمين منها قيم الصبر على البلاء والتضحية والإصلاح والوقوف في وجه الظلم، ترسيخًا لمبادئ الحرية والعزة والكرامة.
كما تمثل المآتم في البحرين، محطات ونقاط ارتكاز لإقامة المناسبات والشعائر الدينية، أبرزها المجالس الخطابية ومواكب العزاء، فضلاً عن بعض الأعمال الخيرية والضيافة على شرف بركة الإمام الحسين “ع”، وهي عادة يتشاركها أبناء الطائفتين الكريمتين بقصد التبرك وإظهار مشاعر التعاطف مع واقعة كربلاء ومصيبة الطف سنة 61 هجرية. وعن الإمام الصادق عليه السلام “إن تلك المجالس أحبها، فأحيوا أمرنا فرحم الله من أحيا أمرنا”، وعن الإمام الرضا عليه السلام عندما سئل كيف يحيا أمركم قال “يتعلم علومنا ويعلمها الناس؛ فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا”.
عزيزي القارئ، يأخذ المأتم دورًا محوريًّا في المجالس الخطابية، ويمثل هذا الدور في اعتقادي، مدرسة كبيرة في مجال التوعية والتأسيس للمواضيع الدينية، والأخلاقية والاجتماعية، فعندما يتربى النشء على حضور هذه المجالس يكتسب دون أدنى شك قيماً عالية في الأخلاق. 

ويتأصل لديه دون ريب حب التواصل مع الجماعة، وهذا يجعل منه إنسانًا اجتماعيًّا بالفطرة والاكتساب، وتكون لدى هذا الجيل لغة تواصل سهلة مع الأبناء المحيطين، وينتج عن ذلك بيئة متآلفة تسعى دائمًا لخدمة الأهداف المشتركة النبيلة القائمة على تقديم الخير والعون والمساعدة.
عزيزي القارئ، ما يميز حضور المآتم والاستماع إلى الخطباء هو تقديم الدروس القيّمة الثرية المثمرة في قالب يسير ومتوافر، عبارة عن هدية ثمينة للمستمع، وبأعلى مستوى من الجودة، من يحضر المأتم تعتاد مسامعه على لغة عربية سلمية، يتذوق الكلمات، يستطيع المتلقي الحاضر للمأتم أن يفرز الجمل ويغربلها وتصبح لديه القدرة على تحليلها بشكل منطقي، من يحضر المأتم، بإمكانه التزود بمخزون معرفي وتاريخي، بالإضافة إلى مخزون شعري وتراثي وأدبي يثري رصيده الفكري والثقافي، ويعزز مساره الديني.
استطاعت المآتم في البحرين التي تتجاوز أعدادها أكثر من ستمئة مأتم رجالي ونسائي، أن تحافظ على مكانتها العلمية وثباتها بفضل الجهود الرسمية متمثلة في الإدارة العامة للشؤون الجعفرية، واستطاعت أن تجمع أطياف المجتمع بمختلف أعمارهم وألوانهم، فهي بيئة صاهرة ومنتجة للأجيال، ظلت فكرتها راسخة ومستمرة، ونشاطها قائم طوال العام، ومخرجاتها واضحة للعيان، إنْ على مستوى فنون الإلقاء والخطابة، وإنْ على مستوى تشكيل الكوادر الفاعلة بمختلف أدوارها التنظيمية في مجال الإعلام والضيافة والفن وغيرها، نستطيع القول، إن مؤسسة المأتم بيئة جاذبة للمجتمع البحريني، وتعدّ رافدًا ثقافيًّا شاملاً.

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .