العدد 6459
الأحد 21 يونيو 2026
خربشة ومغزى.. "التدافع بين القوى ،، حكاية تاريخ منها"
الأحد 21 يونيو 2026

التدافع بين القوى جاري بين الأمم والممالك، احتضن الماضي قصص عنها، وشهد الحاضر أثرها، وما كان فيها من تداول بين قوة ومغالبة وضعف وملاينة، مشهد تاريخ سرديته تُعاد وتتكرر، زمن فيه صعود وظهور ثم نزول وأفول، وهكذا دوام الحال من المُحال.
لَن يَدُومَ الحَالُ في بَهْجَةٍ
كُلُّ حَالٍ صَائِرٌ لِغِيَرِ

والنابه من فقه أسباب ومسببات التدافع، وأعتبر بنتائج ما أنطوت عليه مقدمات وآفات. والفالح من يحدوه تجديد قوته ومدّ بقاءه، والتاريخ يُعلمنا لا يرحم. وما يلي حكاية من بلاد فارس؛
طالت أحداثها أثناء حكم قاده غزنويين أصولهم أتراك، وإِسمهم مأخوذ من مدينة غزنة الواقعة جنوب غربي كابول الأفغانية، وعزنة كانت عاصمة سلالة حكم الغزنويين. الغزنويون بدأ نفوذهم منذ حقبه السامانية، وهم سلالة فارسية حكمت شرق فارس، حكموا في ظل الدولة العباسية. 

التاريخ يُحدَّثنا أن الحكم العباسي دام ما يزيد عن خمسة قرون علا صرحه ومجده القرون الأولى، ثم دبَّ ضعف في القرن الرابع هجري وما بعده، وتحول الحكم من مركزي إلى لامركزي. وهذا كان أحد مؤثرات تفكَّك كيان الدولة الذي له عدة أسباب، أسهم فيه بعض الأعاجم(فُرْس وتُّرْك). حيث أعتمد العباسيون عليهم في بلاط الدولة، وتولَّي أمارات، واِسِتفْراد بأقاليم أخذت مسمى دويلات سواء في بلاد المشرق، وما وراء النهر(نهر جيحون جغرافية آسيا الوسطى حاليا)وحتى ديار المغرب، ومنهم من حاز شبة اِسِتقلال عن مركز الحكم في بغداد. كانت حالة تردي هيأت سقوط تدريجي، وأنهاء حكم العباسيين عام 656هـ بدخول المغول عاصمة الدولة بغداد عام 656هـ.

الحديث عن حكم الغزنويون قد بدأ حينما لجأ إلى غَزْنَه القائد التركي في الجيش الساماني البتجين بعد نزاع وخصومه مع حكام السامانيين. البتجين بذر بواكير الحكم في غَزنة إلى أن تُوفي عام 963م، بعدها أتى صهره سبكتكين الذي هو مملوك تركي ترقى في المناصب ليصبح خليفة البتجين حينما مات سبكتكين عام 997م، وهي السنة التي مات فيها فخر الدولة البويهي(فُرْس) حكموا في مدينة الري قرب طهران الحالية. نجح محمود أبن سبكتكين الذي تولى الحكم بعد أبيه في القضاء على البويهيين فاعترف الخليفة العباسي في بغداد به، ولُقب محمود يمين الدولة، وأصبح محمود الغزنوي، وهو قائد عسكري وصانع دولة. أمتد حكمه وتوسع إلى أصفهان واراضي الهند فاتحا البنجاب ومدن الجنوب الهندية وكذلك وسط فارس وشمالها، ومركزها خُراسان عابرا بعد ذلك إلى تركستان الشرقية.

محمود الذي حكم بين عامي (1030-997)م لم يكن مجرد محارب، بل كان أيضا راعيا للأداب والعلوم، ولقد ضمَّ بلاطه العديد من العلماء والشعراء أبرزهم إبي القاسم البلخي والفروخي والبيروني وكذلك الشاعر الفارسي الفردوسي الذي قدّم للسلطان محمود ملحمته الشعرية الفارسية الشهيرة بالشاهانامة.

السلطان محمود تم على يديه أول فتح إسلامي حقيقي للهند، بل كان أول انتشار للإسلام في ربوع القارة الهندية، وهذا الفتح يُعد امتداد لما تم من قبل خلال العهد الأموي في غزوات محمد بن قاسم الثقفي الذي ضمت فتوحاته إقليم السند فقط، وهو حوض الإندوس والملتان أي ما يدعى اليوم باكستان حيث لم يكن للثقفي 
فيها طويل بقاء.

جاء في الموسوعة البريطانية عن محمود الغزنوي ما يلي؛ "محمود كان أول من حمل راية الإسلام إلى قلب الهند، ومع أنه كان بطلا متحمسا من ابطال الإسلام إلا أنه لم يعامل مطلقا رعاياه الهنود بقسوة، ولا عمل على أن يفرض الدين الاسلامي عليهم أبدا كان عظيما كمحارب، ولكنه في رعايته للفن والأدب ما كان أقل سموا وعظمة، فكثير من العلماء البارزين إنما استقروا في عاصمته غَزْنَه مجذوبين بسخائه وتشجيعة".

المحدث البيقهي أحمد بن الحسين الذي تُوفي في نيسابورعام 1066م ذكر في كتابه تاريخ البيقهي؛ حينما مات محمود عام 1030م دبّ صراع على الخلافة بين إبنيه محمد الذي كان مفضلا لديه ومرشحه للحكم، ومسعود الأبن الأكبر الذي كان آنذاك حاكما على أصفهان. 
الوزير حسنك أراد أن يحقق رغبة السلطان محمود إلا أن مسعود عاد من أصفهان وأزاح اخاه محمد وسمل عينيه، وحكم مكانه. وهكذا أنتقم من الكثيرين وبالأخص الوزير حسنك، وذلك باتهامه بأنه قرمطي إسماعيلي فتم شنقه ورجمه، وفي عام 1035م هزم الاتراك السلاجقه مسعودا فانسحب من خُراسان، وبَقى الغزنويون في الهند وهنا تبدأ السلالة السلجوقية حكم فارس.  

السلاجقة ينتسبون إلى قبيلة قنق اتراك من قبائل الغز(الاوغوز) موطنهم وسط آسيا. دخلت الإسلام عام 960م عهد سلجوق بن دقاق مؤسس السلالة السّلجوقيّة. انتقلت قبائل الغز في الفترة ما بين القرن الرابع الى السادس ميلادي إلى بلاد ما وراء النهر؛ أي خلف نهر جيحون، وتضم هذه البلاد أوزبكستان وكازاخستان وقيرغيزستان أصول هذه القبائل قديما تعود إلى مناطق جبال ألتاي، وهي سلسلة جبال في آسيا الوسطى جنوب سيبريا وهي منطقه إلتقاء روسيا والصين ومنغوليا وكازاخستان.

ظلت هذه القبائل تشنّ الغاره تلو الاخرى على الحدود الساسانية الشرقية، والساسانيون فُرْس أقاموا امبراطورية واسعه عاصمتهم طيفسون (المدائن). القرن الحادي عشر بدأ السَّلاجقة عبور نهر جيحون وهو تسمية عربية للنهر وأسمه القديم اكسوس، ويقع في آسيا الوسطى ويزيد طوله على ألفين وخمسِمئة كيلومتر. السلاجقة تحركوا بعدها غربا إلى داخل فارس بقيادة طغرل حفيد سلجوق بن دقاق. السَّلاجقه واجهوا في بادئ الأمر الغزنويين وهم اتراك كذلك، واستطاعوا طردهم من خُراسان. حينها اصبحت الأبواب مفتوحة أمامهم لغزو الإجزاء الداخلية لفارس.

الاتراك نفوذهم تشكل حينما أدرك العباسيون الأوائل ما يتمتعون به من قدرات قتالية فاستخدموهم مجندين، فأدى ذلك مع مرور الوقت إلى صعود اتراك اقوياء مثل البتجين وسبكتكين ومحمود مؤسسوا الدولة الغزنوية التي مهدت فيما بعد الارضيّة للسلاجقه أن يحكموا بعدما هزم السَّلاجقة الغزنويين. 

ابرز قادة السلاجقة حفيدا سلجوق بن دقاق، وهما تشغري بك الذي تولى خُراسان واخوه طغرل بك الذي أحتل الري قرب طهران وأتخذها عاصمة له، وبعدها إجتاح المحافظات البويهية المتفرقه، ودخل بغداد عام 1055م حيث انهى حكم البويهيون الفُرْس في العراق حينما كان الخليفة العباسي القائم بأمر الله، وهو في حالة استنجاد من البويهيين وهذا كان مغريا ودافعا لطغرل بك.

أعطى الخليفة العباسي لقب السلطان لطغرل بك، واصبح مُتسَيّدا تُوفي طغرل بك عام 1063م ودفن في برج في الري ما يزال يحمل أسمه الى اليوم. أما أخوه تشغري بك فقد مات قبله، وحيث أن طغرل بك ليس له ذرية من الذكور صعد ألب إرسلان بن تشغري على عرش السلطنة حيث ذروة الحكم السَّلجوقي.

نظام الملك(1018-1092)م عُين وزيرا عهد السلطان السلجوقي الب إرسلان، واستمر حتى نهاية عهد أبنه ملكشاه. نظام الملك ولد في طوس خراسان وهو مسقط الشاعر الفارسي الفردوسي، وكذلك ابي حامد الغزالي الذي كان معاصر له ايضا، بل ودرّس لبضع سنوات في الكليه النظامية في بغداد التي أوقفها الوزير نظام الملك بنفسه وحملت أسمه. أنشا نظام الملك مساجد ومدارس، وأضاف إنجاز معماري فني مميز على المسجد الجامع في اصفهان التي تعتبر العاصمة آنذاك.

أميز من رعاهم نظام الملك عمر الخيام النيسابوري الشاعر الشهير، الذي كان يُعرف آنذاك بصفته رياضيا وفلكيا عينه الوزير نظام الملك مع علماء أخرين في المرصد الذي أنشأه ملكشاه لاحتساب التقويم الجلالي الجديد بناء على السنوات الشمسية، وبدأ من النيروز عام 1079م. الجدير بالذكر. إن أسم الجلالي يعود إلى جلال الدين لقب ملكشاه، ولئن كان ملكشاه مثالا بارزا على الحاكم القوي فان نظام الملك كان واحدا من اكثر الوزراء اللامعين عهد السلاجقه وكان مؤلفا أدبيا، وهو صاحب الكتاب سياست نامه الذي أشتهر في شرح الآداب السلطانية. هذا الكتاب يسرد حكايات تقدم أمثلة من ممارسات حكام سابقين مسلمين أو أخرين عاشوا قبل الإسلام، والمرويات في هذا الكتاب تتراوح درجة الصدقية فيها وتفصيلها من قصة لاخرى. 

نظام الملك لم يفلت من المصير الذي لقية اغلب الوزراء قبله وبعده. كان نظام الملك في عقده الثامن من العمر حين عزله السلطان ملكشاه متهما إياه بالغرور لدرجة التصرف كشريك السلطان، وقد بدأ يقلق من تحكم أقربائه في شؤون الدولة. كان الوزير قد ارتكب خطيئة فادحة قاتلة، وهي أنه أصبح قويا وثريا 
أكثر من الحد الذي يقبله السلطان، وجاء بدلا منه تاج الملك، وهو ربيب زوجة السلطان ملكشاه المفضلة تركان خاتون، بعد ذلك بفترة قصيرة سقط نظام الملك بطعنة خنجر من قاتل مأجور رغم انه من المحتمل أن تاج الملك هو من دبر ذلك بعلم السلطان. مات ملكشاه في سن السابعة والثلاثين عام 1092م بعد ثلاثة أسابيع من موت نظام الملك، والذي استطاع اتباعه قتل تاج الملك بعد اربعة أشهر.

بعد ذلك تكررالاقتتال والاضطراب، مما دفع تركان خاتون زوجة ملكشاه أن تعلن ابنها الصغير محمود خليفة في أصفهان. أما الأبن الأكبر بركياروق ففر إلى الرِّيِّ حيث نصب نفسه سلطانا. توجه بركياروق إلى همذان بدلا من الهجوم على اصفهان، وتحرك بعدها إلى بغداد حيث أُعترف به سلطانا، ثم ثار عليه عمه وقبض عليه وأخذه إلى اصفهان. كان بركياروق على وشك ان تُسمل عينه حين مات أخوه محمود بالجدري فأصبح هو الخليفة على العرش بعدها قُتلت تركان خاتون أم محمود. 

وفي عام 1099م ثار محمد الاخ الأصغر لبركياروق عليه وتم الصلح بينهما عام 1103م، وتتابع التعاقب والاضطراب إلا أن حلت الكارثة الكبرى عام 1153م سقطت فيه السلطنة السلجوقية في فارس على يد أوصياء اتراك، توزعوا على محافظات فارس يُسمى الواحد منهم أتابك. إذ أستقل هؤلاء الأتابكة وأسسوا سلالاتهم الحاكمة إلى أن برزت الدولة الخوارزمية، ولها حكاية وتفصيل.

هكذا التدافع ناموس خفي لا يعلمه إلا الله، ولا أحد يقطع حقيقة تنبؤه، والمستقبل لا يأتي للضعفاء، بل هم من يذهبون إليه إذا أرادوا التمكن والأكتفاء. والقوة لها دورة تذهب ويأتي غيرها مثل؛ شجرة تجف ويسقط ورقها، وينبت تحتها فطر تحتضن براعمه، ويحيى كلّ شيء من جديد.

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية