هل هناك حَنَق وهمز ولمز عند الفُرْس إزاء العرب؛ هذا عنوان فيه جاذبيَّة وجدليَّة، وتنوع وتباين آراء، وقد يطال فيه تعميم أو تخصيص من هذه الآفات، والمظنون إن حواره لا ينتهي، وتدليله لا يشفي، والذين يرون تحقق هذه الصفات عند الفُرْس يستلُوا من أُتون التاريخ الماضي والحاضر في كشف دلائل ثابتة بعضها منطوق وأخر مكتوب ومتوارث ساري أثره، بل تمتلئ به شواهد، بل جاري في أزمات العصر في نظرة فوقية وطُغي وإيذاء، مطليّة بحربائية ظاهر وباطن ماكر، لا تأويل له عند العقلاء شافع، وهو أقرب إلى سياق نهج طابع. أمرهُ حينما تُقلّبه مثل فتنةٌ لا تهدأ سوداء؛ كالْكُوزِ مُجَخِّيًا (كأس مقلوب).
ومن تمهل وأراد فك الإجابة عن تساؤل عنوان المقال، تطوف عنده بعض محاور تتباري، في محاولة بيان، وخُلاصة طرح، مداره خزين تاريخ، وتدليل قاطع ضِّرس وهو فيما يلي؛
من هم الفرس؟
الفُرْس هم عرق آري مُهاجر توطن فيما يُعرف بلاد فارس التي تُسمى باسمهم قادمين من هضاب أوراسيا وجنوب نهر الفولكا، وأسسوا كيانهم على هضبة بعيدا عن شاطئ الخليج العربي عزلهم عنه جبال زاغروس. هذا العرق مع الزمن حمل وَهُمْ الفوقية على عِرق عربي وشعوب قديمة في الهضبة. تجلّى هذا في سلالة الإخمينيين والساسانيين، وهما الأشهر أثرا في سردية الفُرْس. تلك الأُسرتين صاحب حكمهم تسلط واِستعمار جغرافية عرب وغيرها من البلاد.
هنالك من يعتقد أن نمطية كراهية حِيال العرب توالدت، حملها بعض دهاقنة ونُخب فارسية فيها سوء أوصاف وهَزِئ. وهذا وافر في إشارات ملحمة الفردوسي الشاهنامة، وهي مُمتدّة الأثر والحفاوة عندهم. ومروي أنه تم إهداؤها إلى حاكم بلاد فارس محمود الغزنوي إبّان الحكم العباسي. أما سفرنامة التي كتبها ناصر خسرو القرن الخامس هجري، ما خلت من قدح وغمز وغمْط في العرب.
ولعلّ إلماحة من الشاهنامة لما تم ذكره فيها ترجمة عربية تُدلّل؛
امتدح الفردوسي قتل الصحابي الجليل عبدالله بن حذافه السهمي سفير النبي عليه السلام إلى كسرى ملك الفرس، حيث قال بالفارسي؛
كه آمد فرستاده يي پیرو سست
نه اسب و سليح ونه چشمي درست
يكي تيغ باريك برگردنش
پديد آمده چاك پیراهنش
ومعناه؛
لما جاء ذلك المرسال الخوار
الذي كان أعور العين
ولم يكن يمتلك فرسا أصيلة
بانت شفرة السيف الحادة
بين رقبته وقميصه
وهذا فقط نزُر من كثير.
أما ناصر خسرو في سفرنامه له وصف عن قوم في جزيرة العرب زارهم يقول؛ ومنهم أُناس لم يمس الماء أيديهم مدة سنة، وهم لم يروا الحمامات أو الماء الجاري في حياتهم، والقارئ للسفر نامه يستوقفه بعض هذا النّمط الذي فيه تطاول.
بواعث تلك النَّزْعة عند بعض المحللين أنها ترتبط بهزيمة الساسان على يد العرب المسلمين وإنتشار دعوة الإسلام ولسان العرب في بلاد فارس.
ماذا قيل في صفات الفُرْس؟
هذا السؤال مدار إجابتة ومقصوده عنوان المقال، والمعروف إنَّ كلّ أمة فيها صفات مناقب ومثالب، وهذا لا يستثني أحد، والفُرْس منهم. ولهذا يتم التناول، وهناك بعض من قال عنهم مثل؛
دارويش شايغان وهو فارسي، ومؤسس المركز الإيراني لدراسة الحضارات عام 1976م بعد قرارٍ ملكي أصدرته فرح ديبا، وشايغان تخصص في الفلسفة المقارنة تحت إشراف مستشرق فرنسي هنري كوربين باحث أديان وغنوصية الشيعة. هذا المركز تم إغلاقة عام 1979م بعد ثورة الخميني لأنه كما قال شايغان"لأنهم اعتبروه من"الكماليات التي لا فائدة منها"
شايغان غادر إيران عام 1979م بعد الثورة إلى باريس ونشر عديد كُتب منها؛ ما الثورة الدينية، والنظرة المبتورة، والوعي الخليط المخضرم، وهوية بأربعين وجها، وكتاب الروح الشاعرية الفارسية دراسات حول الفردوسي، وعمر الخيام، وجلال الدين الرومي، وسعدي الشيرازي، وحافظ الشيرازي وهي آخر كتبه. داريوش شايغان المُتوفى عام 2018م، له تحليل للشخصية الفارسية حيث يقول بتصرف إنَّ الفارسي؛ له جنون الرؤيا المطابق لانفلات حلمه فإذا كان شعبا إمبراطوريا فإنه يحتفظ بالشدق الخشبي لسكرات ماضية، مصاب بجنون العظمة في مشاريعه، ولا يملك قط الوسائل لتنفيذها، فيظل متناقضا مع نفسه، إنه في آن نقدي تجاه نفسه، ومتساهل تجاه عيوبه الخاصة يتهم ذاته ويسامحها في وقت واحد، ويتمنى لكل الآخرين مثلما يتمنى لنفسه أن لا يكونوا قادرين على تجسيد ما تمنى أن يكون. إنه يزدري غُزاته لكنه يبذل قصاراه ليتساوى معهم. يحتقر العربي ويكرهه ويكرِّس كل عبقريته لإغناء فكره وثقافته وفوق ذلك العربي يعلّمه الدرس ويعطيه العبرة. ثم يتابع؛ ولا يهيم بأفلاطون إلا لأنه كان تلميذ زرداشت.
وكذلك ذكر المؤرخ العراقي الأستاذ عماد عبد السلام رؤوف في مقدمة كتابه الصراع العراقي الفارسي وفيه تحليل صفات تحوم حول الغدر والشك وسوء الظن والشعور بالتفوق وانتقاص الآخر، والخدع الباطنية
والملق المتلون، والخوف الذي يتمثل بالانكفاء والجبن في الأزمات. بينما العرب لم يكونوا عدوانيين تجاه الفُرْس أو غيرهم، وإنما هداة ورسل دين مساواة جديد.
وهنالك كتاب عنوانه الثورة الإيرانية والتمدن الحديث مؤلفه جاك ميلوك، وقد استخلص الكتاب من بحث تجريبي في استبيان قام به الأستاذ الأمريكي مارفن زونيس أجراه على ثلاثمائة شخصية إيرانية مختلفة الأطياف، واضاف اليها ميلوك دراسة مفصلة أُخرى تم عملها سنة 1964م من قبل معهد الإيمان والدراسات الاجتماعية في جامعة طهران. خلاصة ما ذكره جاك ميلوك أن هناك أربع خصائص تنتصب واضحة؛
الإيمان بأن السلوك البشري تهيمن عليه
المصالح الذاتية وحدها.
سوء الظن أو الارتياب ملازم حين التفكير
بالغير.
القلق وعدم الاستقرار.
الاستغلال الشخصي للأفراد بعضهم البعض.
بعض كُتب الأدب الفارسي المعاصر، ماذا قالت عن العرب؟
هذا السؤال ترد عليه الباحثة المستشرقة الإمريكية جويا بلندل سعد في كتابها صورة العرب في الأدب الفارسي خلال استقصاء أكاديمي لدراسات عديد كُتب مؤلفوها فُرْس. إذ ترى أن العربي في الأدب الفارسي هو الآخر لا الأخ أو الجار. وهذه بعض نقولات من تلك الكُتب؛ فالمفكرون الايرانيون يلقون جانبا من تخلف بلدهم على الإسلام. ويقول كرماني، أحد هؤلاء المفكرين، إن الإسلام دين غريب فرضته على الأمة الآرية النبيلة أمة سامية، هي عبارة عن حفنة من آكلي السحالي الحفاة العراة البدو الذين يقطنون الصحراء.
ويقول كاتب إيراني آخر أسمه ما شاء الله أجوداني إن العدو الحقيقي للثقافة الإيرانية، وسبب مشكلات إيران كلها، هو الإسلام والعرب.
وتضيف الباحثة تعليقاً على خصال العرب من وجهة نظر المثقفين الفُرْس؛ بالطبع هذا كلام غير دقيق، والقصد منه هو مزيد من الطعن والذم. وأنه جرى تأسيس الوعي القومي الإيراني على اللغة الفارسية وعلى تاريخ إيران قبل الإسلام. وتقول أيضا؛ بنظر بعض الإيرانيين أفقد العرب إيران تاريخها السابق. والمذكور في كتاب صورة العرب في الأدب الفارسي له تفصيل وتدليل عند المهتمين.
قارئ هذا المقال عليه الفطنة بثلاث أمور؛
أحدها الوعي وتعميق الفهم، لا مغزى في ذلك استثارة عداء، أو بُغية إقصاء لا يضيف قيمة، النزعات القومية عند الأمم لا تبرح في آفاتها تلويث مسارات التعايش والتسامح والسلم في الجوار وتنمية تعُمّ بني البشر. وما يتأتى في سياق قِيم وأعراف العرب المسلمين، وما تم فهمه من هدي الدين؛ هو احترام الجيرة، وظن حسن بنوايا، ورغبة نفع يَعُمّ تنمية ونهوض.
الحذر من سياق تعميم على أي أمة سواء فُرْس أو غيرهم، وما هو في اِستدلالات المقال هو معرفة بواعث بعض سلوكيات الحاضر. ولا يخلو من تناوش بارح كما قال
زُفر بن الحارث؛
وَقَدْ يَنبُتُ المرعَى على دَمِنَ الثرى
وتبقى حزَازَتُ النفوس كما هيا
الأمر الأخير؛
عبْر التاريخ العربي الإسلامي هنالك من الفُرْس؛ علماء ومحدثون وفقهاء وأصوليون، ونحويون ومؤرخون ومبدعون. كانوا منارات حضارية خدموا العربية والإسلام لهم قيمة في جموع الأمة
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |