العدد 6445
الأحد 07 يونيو 2026
هَيهات أن تسْبقني سُلحفاة
الأحد 07 يونيو 2026

عزيزي القارئ، يُروى أن الفيلسوف الإغريقي زينون طرح مفارقة تقول إن السلحفاة قد تسبق العداء إذا مُنحَت أفضلية في البداية. لكن الحياة ليست مفارقة فلسفية، بل ميدان عملٍ وسعيٍ واجتهاد. وفي هذا الميدان أقول: هيهات أن تسبقني سلحفاة.

ليس غروراً ولا ادعاءً للكمال، بل إيماناً بأن من يسير على طريق العلم والمعرفة لا يخشى المنافسة، ولا يتوقف عند محاولات الآخرين للالتفاف على جهده أو استنساخ أفكاره. فهناك فرق كبير بين من يصنع الطريق ومن يكتفي بالسير في آثاره، وبين من يزرع الشجرة ومن يأتي ليقطف ثمارها.

لقد تعلمت أن الجهد الحقيقي لا يُسرق، لأن ما يُنقل هو النتيجة، أما القدرة على الإبداع والإنتاج والتجديد فتبقى ملكاً لصاحبها. قد يأخذ البعض فكرة، أو يقلد عملاً، أو يحاول أن ينسب لنفسه ما لم يصنعه، لكنه يظل أسيراً لما أخذ، بينما يبقى صاحب الفكرة قادراً على إنتاج عشرات الأفكار الجديدة.

قد يسبقك البعض في إعلانٍ أو ظهورٍ أو ضجيجٍ إعلامي، وقد يبدو للمشهد السريع أنهم تقدموا خطوات إلى الأمام، لكن السباق الحقيقي لا يُقاس بالسرعة وحدها، بل بعمق المعرفة، ورسوخ التجربة، وصدق الإنجاز. فمن سبق بالنسخ والتقليد سبق مسافة قصيرة، أما من سبق بالعلم والعمل فقد سبق زمناً كاملاً.

ولذلك لا أشغل نفسي كثيراً بمن يحاولون اقتطاع جزء من جهدي أو القفز فوق سنوات من التعب. فالوقت كفيل بأن يكشف الفرق بين الأصل والصورة، وبين المعرفة الحقيقية والمعلومة المستعارة، وبين صاحب المشروع وصاحب الادعاء.

إنني أؤمن أن العلم يمنح صاحبه قوة متجددة، وأن الاجتهاد يفتح أبواباً لا تُغلق، وأن من اعتاد البحث والتعلم والتطوير لا يخشى المنافسة مهما كثرت. فالآخرون قد يكررون ما فعلت، لكنهم لا يستطيعون أن يكونوا أنت، ولا أن يعيشوا التجربة التي صنعت خبرتك، ولا أن يمتلكوا الرؤية التي قادت خطواتك.

لهذا أواصل السير، لا ألتفت إلى الخلف كثيراً، ولا أستهلك طاقتي في مراقبة من يحاولون اللحاق أو التقليد. فطريقي واضح، وهدفي أبعد، وسلاحي المعرفة والعمل.

وإذا كان البعض يظن أن سرقة الجهد اختصار للطريق، فإن الحقيقة تقول إن الطرق المختصرة لا تصنع القامات الكبيرة. أما من جعل العلم رفيقه، والاجتهاد منهجه، والإخلاص بوصلته، فسيظل متقدماً وإن تأخر خطوة، لأن المستقبل في النهاية يكون دائماً لأصحاب المعرفة لا لأصحاب الظلال.

هيهات أن تسبقني سلحفاة، ما دمت أتعلم كل يوم، وأجتهد كل يوم، وأؤمن أن السباق الحقيقي ليس مع الآخرين، بل مع نفسي لأكون أفضل مما كنت بالأمس.

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .