العدد 6445
الأحد 07 يونيو 2026
عن مكارم الأخلاق.. فسحة الأمل (14)
الأحد 07 يونيو 2026

عبر المدى الطويل للتاريخ البشري المحفوف دوما بالمشاق والمنعطفات الحاسمة، تبرز فضائل معينة لا كخيار سلوكي مكمل، بل كركائز حاسمة لإرساء توازن نفسي، واستقرار وجداني، وعماد للوجود الإنساني في حد ذاته. وفي صدارة هذه الفضائل الإنسانية النبيلة يأتي “الأمل” كأول ما يمكن تسميته بهذا الوصف؛ فهو ليس مجرد تجربة عاطفية عابرة، بل يؤدي دور المرتكز الأخلاقي الجوهري؛ كونه نورا أصيلا يعين البشر على تبديد عتمة الحاضر والاستعداد للمستقبل. وإن الأمل، في جوهره الحي، لا ينحل إلى مجرد أمنية بليدة، بل هو عامل تحفيزي فاعل يشكل السلوك الإنساني، ويشد أزر المرء لتجاوز مختلف العقبات بعزيمة وإصرار. ومن هنا، يغدو اختيار هذا الموقف الأخلاقي بديلا ممكنا لخيارين آخرين هما الاستسلام أو المقاومة، ليكون الأمل في هذه الحالة مؤشرا على نضج الشخصية، وقدرتها على استشراف آفاق رحبة تتجاوز حدود الواقع الراهن.
ويمكن تلمس هذه الفكرة في الوجدان الإنساني عبر مختلف العصور التاريخية، ولعل هذا الرأي قد تجلى ببلاغة في القصيدة الشهيرة للشاعر الطغرائي حين قال: “أعلل النفس بالآمال أرقبها.. ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل”.
إن هذه الحكمة الكونية ذاتها تفرض سلطتها في كل زمان ومكان، فمن دون مساحة كافية للأمل، يؤول المصير النفسي والاجتماعي للمرء إلى الانغلاق، مدفوعا بمرارة قضاء العمر في رتابة مضنية. إن الأمل هو محرك الحيوية الذي يمنح النفس الرجاء في الاستيقاظ على عالم يرفل بالسكينة والأمان، ليجعله واقعا آمنا وعادلا. وإذا ما تحدثنا عن محورية الأمل في سياق التاريخ البشري، فإنه من الضروري بمكان الإشارة إلى أن كل جيل صنع الحضارات وقادها نحو الازدهار والنجاح، إنما تحرك بتأثير هذا الأمل.  

والرسالة الأخلاقية التي يجب أن تعيها الأجيال القادمة هي فهم الأمل بوصفه الترياق الواقي من اليأس، والاكتئاب، والعدمية؛ فحين يواجه الإنسان معضلات فكرية، أو أزمات اقتصادية، أو لحظات عصيبة، يبدو الأمل كأداة معرفية تفكك الأزمة وتحيلها إلى منبع للتطور والنماء.
وحقا، ينطوي الأمل على بُعد فكري يتسامى فوق الاختلافات والطبائع، مشكلا لغة عالمية يفهمها الفيلسوف في صومعته، والعامل في مصنعه، والشاب في مقتبل العمر؛ فهو يمنح طاقة الصمود، والقدرة على الحلم الواعي، وتخيل الجمال والفضائل؛ ما يعطي دفعة قوية للسلوك الأخلاقي المثمر. وإن خلو النفس من الأمل يورث المرء وحدة وانعزالا، بينما امتلاكه يتيح له رؤية الآخرين كشركاء في بناء المستقبل لا كأعداء في صراع الحاضر، وهو ما يرسخ قيم التسامح، والتعاون، والوحدة الاجتماعية بين مختلف المشارب الفكرية. 
إن التمسك بالأمل في مواجهة الشدائد يمثل نبلا إنسانيا، ويبدو بمثابة عهد يقطعه المرء مع نفسه بأن الغد يحمل في طياته آفاقا جديدة للترقي. فالأخلاق الفاضلة برمتها تفترض وجود الأمل الذي يبقي جذوتها حية ويجسد أثرها في المجتمع. وبناء على ذلك، يتضح لنا جليا أن الأمل هو الحاضن الأكبر لكل الفضائل النبيلة والشرارة الأولى لانطلاقها، بما يمهد السبيل للتأمل في بقية مكارم الأخلاق.


 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .