في تاريخ الأوطان محطات لا تُقاس بمرور الزمن، بل بما تكشفه من معادن الرجال وصدق المؤسسات. وحين تتعرض الدول للاختبار، تتقدم الصفوف نخبة من الأبناء الأوفياء الذين يحملون شرف المسؤولية ويثبتون أن حب الوطن ليس كلمات تُقال، بل مواقف تُسطر وتضحيات تُبذل.
وحين تعرضت مملكة البحرين الحبيبة لاعتداءات إيرانية آثمة ومحاولات جبانة استهدفت أمنها واستقرارها وسعت إلى النيل من مكتسباتها الحضارية، وقف أبناء الوطن وقفة رجل واحد خلف قيادتهم الحكيمة، مؤمنين بأن أمن البحرين خط أحمر، وأن الحفاظ على استقرارها واجب وطني لا يقبل المساومة أو التردد. وفي تلك الظروف الدقيقة التي اختبرت فيها الأحداث صلابة المؤسسات وصدق الانتماء، تجلت أسمى صور التلاحم الوطني، وارتفعت راية الولاء خفاقة في سماء الوطن، لتؤكد البحرين مجدداً أنها دولة راسخة الأركان، عصية على المؤامرات، قوية بشعبها ومؤسساتها وسيادة قانونها.
وفي تلك المرحلة الاستثنائية، كان رجال قوة دفاع البحرين البواسل، ورجال وزارة الداخلية، وكافة الأجهزة الأمنية، يؤدون واجبهم الوطني بكل شرف واقتدار، دفاعاً عن الوطن وحمايةً لأمنه واستقراره. غير أن هناك جبهة أخرى لا تقل شأناً عن ميادين المواجهة، جبهة حملت مسؤولية ترسيخ العدالة وصيانة هيبة القانون وكشف الحقيقة، إنها جبهة النيابة العامة.
لقد كان رجال النيابة العامة في قلب الحدث، يتحملون مسؤولياتهم الوطنية والقانونية في ظروف استثنائية ودقيقة، فواصلوا الليل بالنهار، وسهروا على أداء رسالتهم السامية بكل أمانة وتجرد وإخلاص. كانوا يعملون بصمت الواثقين، وبعزيمة المؤمنين برسالتهم، واضعين نصب أعينهم حماية الوطن وصيانة المجتمع وترسيخ سيادة القانون.
فباشروا التحقيقات، ودققوا في الوقائع، ومحصوا الأدلة، واستجوبوا المتهمين، وكشفوا الحقائق بكل مهنية وحياد، دون أن يحيدوا عن مقتضيات العدالة أو يتأثروا بضجيج الأحداث. فكانوا العين القانونية الساهرة التي تلاحق الحقيقة، والميزان الذي يزن الأمور بإنصاف وتجرد، والجهة التي تضطلع بمسؤولية جسيمة في إظهار الحقائق وإحالة كل من تثبت مسؤوليته إلى القضاء لينال جزاءه وفق أحكام القانون وضماناته.
وفي الوقت الذي كانت فيه التحديات كبيرة والأحداث متسارعة، أثبتت النيابة العامة أنها مؤسسة وطنية راسخة تشكل إحدى الدعائم الأساسية للدولة الحديثة، فمارست اختصاصاتها الدستورية والقانونية بكل اقتدار ومسؤولية، وأسهمت بدور محوري في حماية المجتمع وصون الأمن العام وترسيخ الثقة بسيادة القانون.
ولم يكن هذا الأداء المتميز إلا ثمرة قيادة حكيمة وإدارة واعية بدأت من سعادة النائب العام، مروراً بسعادة المحامين العامين، وسعادة رؤساء النيابة، ووكلاء النيابة، وصولاً إلى جميع أعضاء وموظفي النيابة العامة الذين شكلوا منظومة متكاملة من الكفاءة والانضباط والإخلاص الوطني، فكانوا مثالاً يحتذى في تحمل المسؤولية وأداء الواجب في أصعب الظروف وأدق المراحل.
لقد أثبت هؤلاء الرجال أن العدالة ليست مجرد نصوص جامدة تُقرأ في الكتب أو تُحفظ في السجلات، وإنما رسالة وطنية عظيمة تتطلب رجالاً يمتلكون النزاهة والشجاعة والحكمة والبصيرة. رجالاً يدركون أن حماية الوطن لا تكون بالسلاح وحده، وإنما كذلك بحماية القانون وصون الحقوق وترسيخ هيبة الدولة ومؤسساتها.
وإذا كان التاريخ ينصف الرجال بمواقفهم لا بأقوالهم، فإن رجال النيابة العامة قد سطروا صفحات مشرقة من العطاء الوطني، وقدموا نموذجاً مشرفاً للموظف العام الذي يجعل من الواجب شرفاً ومن المسؤولية رسالة ومن خدمة الوطن غاية لا تعلوها غاية.
لقد كانوا صوت القانون حين اختلطت الأصوات، وميزان العدالة حين اضطربت الموازين، وحصن الدولة القانوني المنيع في مواجهة كل من حاول العبث بأمن الوطن أو المساس باستقراره. فاستحقوا بكل جدارة أن يذكروا بكل فخر واعتزاز، وأن تسجل جهودهم في صفحات الوفاء الوطني بأحرف من نور.
وفي ختام هذا الحديث، فإن الكلمات مهما بلغت فصاحتها، والعبارات مهما سمت بلاغتها، تبقى عاجزة عن الإحاطة بحجم الجهود التي بذلها رجال النيابة العامة في خدمة وطنهم وقيادتهم وشعبهم. فهم رجال حملوا أمانة العدالة في أوقات عصيبة، وأدوا واجبهم الوطني بإخلاص نادر، مستندين إلى ضمير مهني حي وإيمان راسخ بأن حماية الوطن مسؤولية مقدسة وشرف عظيم.
وإن البحرين وهي تنعم اليوم بأمنها واستقرارها ووحدة صفها الوطني، لا يمكن أن تغفل عن دور هذه الكوكبة المخلصة من أبنائها الذين أدوا رسالتهم بشرف واقتدار، وسطروا بمواقفهم صفحات مضيئة في سجل الوفاء الوطني. فسيبقى عطاؤهم محل اعتزاز وتقدير، وستظل جهودهم شاهدة على أن العدالة حين يحمل رايتها رجال أوفياء تصبح حصناً للوطن، وسنداً للدولة، وطمأنينة للمجتمع.
فجزى الله رجال النيابة العامة خير الجزاء، وبارك في جهودهم وعطائهم، وحفظهم ذخراً للوطن، وأدام على مملكتنا الغالية نعمة الأمن والاستقرار في ظل قيادتها الحكيمة. وإن من حق هؤلاء الرجال علينا أن نرفع لهم أسمى آيات التقدير والعرفان، وأن نكتب أسماءهم في سجل الشرف الوطني بماء الوفاء، فهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله والوطن عليه، فأدوا الأمانة، وصانوا العدالة، وحفظوا هيبة القانون، فاستحقوا أن يبقوا في ذاكرة البحرين رمزاً للعطاء والإخلاص والولاء، وأن يبقى ذكرهم مقروناً بكل ما يمثله الشرف الوطني من معانً سامية وقيم خالدة.
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |