مقدمة: الخلفيات الاقتصادية التي مهدت لانفجار الحرب
لا تولد الحروب الكبرى من فراغ اقتصادي، حتى عندما تتصدر المشهد عناوين سياسية أو عسكرية أو أمنية. ففي العمق، كثيرًا ما تكون المصالح الاقتصادية، وضغوط الطاقة، وخطوط التجارة، وسلاسل الإمداد، وأسعار التمويل، والعقوبات، وتوازنات الأسواق، هي التربة التي تجعل الصراع قابلًا للاشتعال. ومن هذه الزاوية وحدها، يمكن قراءة الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران بوصفها انفجارًا في منطقة تراكمت فيها عناصر اقتصادية شديدة الحساسية، وتداخلت فيها مصالح النفط والغاز، وحرية الملاحة، وأمن الممرات البحرية، واستقرار الأسعار، وقدرة الاقتصاد العالمي على احتمال صدمة جديدة.
لقد جاءت هذه الحرب في لحظة كان الاقتصاد الدولي يعاني أصلًا من حالة هشاشة غير متماسكة. فالعالم لم يكن قد تعافى بالكامل من آثار التضخم الذي رافق مرحلة ما بعد الجائحة، ولا من الاضطرابات التي أصابت سلاسل الإمداد، ولا من الارتفاع الطويل في أسعار الفائدة، ولا من الضغوط المتراكمة على الديون العامة والخاصة. وفي مثل هذا المناخ، لا تحتاج الأسواق إلى حرب طويلة كي تهتز؛ يكفي أن تقع المواجهة في موقع اقتصادي بالغ الحساسية حتى تتحول إلى أزمة عالمية. وهذا بالضبط ما حدث عندما اندلعت الحرب في محيط الخليج، وعلى مقربة من مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة في العالم.
فالخلفية الاقتصادية الأولى لهذه الحرب تتصل بموقع إيران في خريطة الطاقة العالمية. إيران ليست دولة عادية في سوق النفط والغاز، حتى وهي تحت العقوبات. فهي تملك احتياطات ضخمة، وتجاور أكبر منتجي الطاقة في الخليج، وتطل على مضيق هرمز، وتملك القدرة الجغرافية والسياسية على التأثير في واحد من أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم. لذلك فإن أي تصعيد واسع معها لا يخص اقتصادها وحده، بل يمس سوق الطاقة العالمي بأكمله. فالمشكلة ليست فقط في ما تصدره إيران، بل في ما يمكن أن يتعطل بسبب موقعها، وردود فعلها، وقدرتها على التأثير في حركة الملاحة.
أما الخلفية الاقتصادية الثانية، فتتمثل في العقوبات الطويلة المفروضة على إيران. فقد جعلت هذه العقوبات الاقتصاد الإيراني يعيش تحت ضغط مزمن، لكنها في الوقت ذاته جعلت أي نقاش حول تخفيفها أو تشديدها حدثًا مؤثرًا في أسواق النفط والتمويل. فإذا فُتحت نافذة لتصدير النفط الإيراني، زادت التوقعات بارتفاع المعروض. وإذا أُغلقت تلك النافذة، ارتفع القلق من نقص الإمدادات. وهكذا تحولت العقوبات إلى جزء من آلية تسعير النفط عالميًا، لا إلى أداة ضغط سياسية فحسب. وعندما اندلعت الحرب، أصبح السؤال الاقتصادي المباشر هو: هل ستغيب كميات إضافية من النفط عن السوق؟ وهل سيصبح المرور عبر الخليج أكثر كلفة أو أقل أمنًا؟
وتتصل الخلفية الاقتصادية الثالثة بحرية الملاحة في الخليج. فالعالم اليوم لا يعتمد على الإنتاج وحده، بل على القدرة على إيصال الإنتاج إلى الأسواق. النفط الذي لا يصل إلى الميناء لا يتحول إلى إيراد، والغاز الذي لا يجد طريقه إلى الناقلات لا يدفئ المصانع ولا يشغل محطات الكهرباء، والبضائع التي تتأخر في البحر تتحول إلى خسائر في دفاتر الشركات. لذلك فإن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل حلقة مركزية في الاقتصاد العالمي. وعندما يتعرض هذا الممر للتهديد، فإن الأثر لا يقف عند السفن التي تمر فيه، بل يمتد إلى أسعار الوقود، وكلفة الشحن، وأقساط التأمين، ومخزونات الشركات، وتوقعات البنوك المركزية، وقرارات المستثمرين.
أما الخلفية الاقتصادية الرابعة فتتمثل في أن الاقتصاد العالمي دخل الحرب وهو شديد الحساسية تجاه أسعار الطاقة. فأسعار النفط والغاز لم تعد مجرد أرقام في نشرات البورصات، بل أصبحت عاملًا مباشرًا في التضخم، وفي السياسة النقدية، وفي موازنات الدول، وفي مستويات المعيشة. فكل ارتفاع في النفط يعني ارتفاعًا في النقل، والإنتاج، والكهرباء، والغذاء، والشحن، والأسمدة، وسلاسل التوزيع. ومن ثم، فإن أي حرب تهدد الطاقة تتحول سريعًا إلى حرب على جيوب المستهلكين، حتى في دول تبعد آلاف الكيلومترات عن ساحة المعركة.
من هنا، فإن اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران لم يكن حدثًا عسكريًا منعزلًا، بل صدمة اقتصادية في نقطة مركزية من النظام التجاري العالمي. لذلك لا يكفي، بعد توقيع مذكرة التفاهم أو إعلان الهدنة، أن نقول إن الحرب توقفت. فالاقتصاد لا يتوقف عن دفع الكلفة بمجرد أن تصمت البنادق. شركات التأمين لا تخفض أقساطها في اليوم التالي، وشركات الشحن لا تعيد مساراتها فورًا، والمستثمرون لا يستعيدون ثقتهم بمجرد بيان سياسي، والمستهلكون لا يرون انخفاض الأسعار مباشرة. لذلك فإن السؤال الاقتصادي الحقيقي بعد الهدنة ليس: هل انتهت الحرب؟ بل: كم من الوقت يحتاج الاقتصاد كي يتعافى من أثرها؟ وما حجم الخسائر القريبة التي ستظل ماثلة خلال الأسابيع والأشهر الأولى؟
ومن زاوية أخرى، جاءت الحرب في لحظة تتنافس فيها القوى الاقتصادية الكبرى على أمن الطاقة، لاسيما في آسيا وأوروبا. فالدول الصناعية والمستوردة للطاقة تنظر إلى الخليج بوصفه جزءًا من أمنها الاقتصادي الداخلي، لا مجرد منطقة بعيدة. فالنفط القادم من الخليج يدخل في كلفة الصناعة الآسيوية، وفي أمن الطاقة الأوروبي، وفي حركة النقل العالمية، وفي أسعار السلع المتداولة دوليًا. ومن هنا، فإن أي مواجهة واسعة مع إيران تحمل في جوهرها خطرًا مباشرًا على المستهلك العالمي، وعلى ميزانيات الدول المستوردة، وعلى توقعات النمو في الاقتصادات الكبرى والناشئة معًا.
كما لا يمكن تجاهل الخلفية المتعلقة بإعادة تشكيل سوق الطاقة العالمي. فالعالم يعيش مرحلة انتقالية بين الاعتماد التقليدي على النفط والغاز، وبين التوسع التدريجي في الطاقة المتجددة. غير أن هذا الانتقال لم يلغِ بعد مركزية النفط والغاز، بل جعل السوق أكثر حساسية؛ لأن الطلب لا يزال قويًا، بينما الاستثمار في الطاقة التقليدية أصبح أكثر حذرًا، والبدائل المتجددة لم تصل بعد إلى قدرة كاملة على تعويض أي صدمة كبيرة. لذلك فإن أي حرب تهدد منطقة إنتاج وعبور رئيسية تجعل العالم يكتشف من جديد أن التحول الطاقي لم يحرره بعد من هشاشة النفط والغاز.
* خبير إعلامي