العدد 6459
الأحد 21 يونيو 2026
عاشوراء.. ذكرى بألف ذكرى
الأحد 21 يونيو 2026

تهل علينا هذه الأيام ذكرى عاشوراء بكل ما تحمله إلينا من عِبر ودروس، من أصعب امتحان مرت به الأمة عبر تاريخها الإسلامي العتيد، إلى واقع نتمنى فيه كل رخاءٍ وازدهارٍ لأمتنا المباركة. عاشوراء.. ذكرى بألف ذكرى، ويوم أراد الله سبحانه أن يجعله درسًا لكل مصلح، وعبرة لكل طالب عِلم ودرس لكل من يعيش على أراضينا الطاهرة المسلمة.
عاشوراء يعلمنا أنه لا يحك جلدك مثل ظفرك، وسيظل يمارس جلاله السماوي بأنه لا يصح إلا الصحيح وأن أهل مكة أدرى بشعابها، ويعلمنا أننا أمة لا يجب أن تصطف إلا مع أبناء جلدتها، لا فرق بين هذا أو ذاك إلا بالمواطنة الحقة والقدوة الحسنة والإصلاح والصلاح للأمة.
ذكرى علمتنا أن نتيجة التناحر فرقة وضعف، وأن عظمة الخالق تأتي لكي تنبهنا كل حين أن في الذكرى آلاف الفوائد التي سوف تنفع المؤمنين، وسوف تقودهم إلى الطريق القويم، إلى الاصطفاف خلف قيادتها العادلة الحكيمة، وألا تتفرق تحت أية دعاوى طائفية أو مذهبية أو دينية، لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى وصلابة الإيمان، هكذا يذكرنا رسول الله الأمين عليه أزكى السلام وأفضل الصلوات، وهكذا يأتي يوم عاشوراء لا لكي يزيد آلامنا وأوجاعنا إيلامًا ووجعًا بقدر ما يجب أن يمنحنا قوة في مواجهة التحدي، وصلابة الوقوف أمام عدونا الخارجي المتربص بأمتنا العربية والإسلامية.
لم يكن العرب والمسلمون في يوم من الأيام أعداءً إلا من خلال شق الصف، ولم يكونوا خصماء إلا بعد أن تتسلل الفتن إلى صفوفهم وتملأ الأحقاد قلوبهم. أمتنا الإسلامية يجب أن تحتفي في هذه الأيام بالسلام المرتقب الذي نتمنى استمراره خلال الأيام القليلة القادمة، فالأمة أمة صلاح ومحبة وتعايش، ولم تكن في يوم من الأيام أمة تناحر وفرقة وعدوان.
التاريخ الإسلامي الطويل يشهد علينا أننا كنا وما زلنا في حالة دفاع شرعي عن النفس، نصادق من يصادقنا ونعادي من يعادينا، لا نعتدي على أحد وننبذ التدخل في شؤون الآخرين، تمامًا مثلما نرفض أن يتدخل أحد في شؤوننا كي يفرض علينا نظامًا ليس من دمنا، أو حكمًا لا يتفق مع ثوابتنا وولائنا للقائد الحكيم حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين المعظم حفظه الله ورعاه.
صحيح أن في تاريخنا الطويل عِبرا ودروسا، شخصيات إسلامية عظيمة لا تجود الأيام بمثلها وعلى رأسهم الإمام الحسين عليه السلام، رائد الإصلاح في التاريخ الإسلامي البعيد، والذي تصادف هذه الأيام ذكرى استشهاده، تمامًا مثلما هو الحال بالنسبة للإصلاحيين الذين اتبعوه من مختلف المذاهب الإسلامية أمثال جمال الدين الأفغاني، والإمام محمد عبده، وغيرهم من الأئمة المكرمين وأولياء الله الصالحين ورواد الفكر الإسلامي العريق الذي نقتدي به ونعمل على تنقيته مما أصابه من فتن وسوء فهم وابتعاد عن المنهج الوسطي، باعتبار أن ديننا الحنيف هو دين الوسطية الذي ينبذ العنف ويحض على نبذ التطرف، ويحث على الفضيلة والعدالة والمساواة، انطلاقًا من قاعدة فقهية مفادها أن ديننا هو دين الحق، وأن عقيدتنا هي عقيدة الحياة.
إننا في هذه الأيام المباركة ندعو أمتنا العربية والإسلامية إلى وضع أيديها في أيدي بعضها البعض، لمواجهة العدو المغتصب الذي مازال يحرض على الكراهية من خلال خطابات الكراهية والحقد على بلادنا وأمتنا وشعبنا ومقدساتنا في فلسطين المحتلة، وفي كل البلاد العربية والإسلامية التي تتعرض لأسوأ حملات التشويه والفرقة والتقسيم الممنهج على أساس العرق والطائفة والمذهب في كل من العراق ولبنان والسودان وليبيا واليمن وغيرها من الدول العربية والإسلامية التي تعاني من ويلات التقسيم والتحريض عليه والانفصال عن الوطن الأم.
إن عاشوراء جاء ليذكرنا، بل ويعلمنا أن في الاتحاد قوة، وفي الفرقة ضعف ومهانة ما بعدها مهانة، ويقول الله تعالى في كتابه العزيز: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا”- صدق الله العظيم.

 

* الرئيس المؤسس رئيس مجلس أمناء الجامعة الأهلية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .