العدد 6459
الأحد 21 يونيو 2026
تدليسُ ولايةِ الفقيه… حين يزفُّ الهزيمةَ والعارَ في موكبِ الانتصار
الأحد 21 يونيو 2026

ما رأيتُ أعجبَ من مهزومٍ يروي للناس خبرَ نصره، ولا أجرأَ من منكسرٍ يصف لهم صولةَ ظفره، ولا أضلَّ من قومٍ إذا خسروا الأرض قالوا: ثبتنا، وإذا فقدوا القادة قالوا: صمدنا، وإذا تحطّمت القوة قالوا: انتصرنا؛ حتى صار النصر عندهم لا يحتاج إلى غلبةٍ ولا برهان، وإنما يكفي أن يصدر البيان، فتُسمّى النكسة فتحًا، والانكسار مجدًا، والخراب نصرًا.

ذلك هو نظام ولاية الفقيه؛ لا يملك من النصر إلا اسمه، ولا من القوة إلا رسمها، ولا من البطولة إلا صخبها. فإن عجز في الميدان فتح جبهةً في البيان.

ولم يكن ذلك حادثةً عابرة، ولا زلّةَ لسانٍ طارئة، بل هو نهجٌ قديم، وسجلٌّ طويل، يمتد من الأمس إلى اليوم، ومن الهزيمة إلى أختها، ومن النكسة إلى توأمتها.

وما التدليس عند هذا النظام زلّةً في القول؛ ولا عارضًا في الخطاب، بل قاعدةٌ في الكتاب. وأصل في الحكم به يستر العار، ويزيّن الانكسار.

فإن رأى الناس جنده يتقهقر، قال لهم: ذلك استدراج؛ وإن رأوا أذرعه تتهاوى، قال: ذلك تمويهٌ وخداع؛ وإن سألوه عن ثمار النصر، أراهم الدمار؛ ثم دعاهم إلى الهتاف قبل السؤال، وإلى التصديق قبل الاستدلال.

فحين اشتعلت الحرب بين عراق صدام وإيران، ملأوا الآفاق وعيدًا، ووعدوا أتباعهم فتحًا جديدًا؛ قالوا إن بغداد ستسقط، وإن النظام سيزول، وإن الثورة ستعبر الحدود، وإن المنطقة ستلبس ثوبهم وتدخل تحت رايتهم. ثم امتدت الحرب ثماني سنين، فأكلت الرجال، واستنزفت الأموال، وأحرقت الحاضر، وأثقلت المستقبل؛ عامًا بعد عام، حتى انتهى الأمر إلى قبول الهزيمة التي وصفها الخميني نفسه بتجرّع كأس السم، بعد أن عمّ الخراب الديار.

فأيُّ نصرٍ هذا الذي يبدأ بوعيد إسقاط بغداد، وينتهي بقبول ما رُفض أعوامًا؟ وأيُّ ظفرٍ هذا الذي يُقاس بكثرة القبور، وفداحة الثبور، وضياع الأعمار والدهور؟ وأيُّ فتحٍ يفتتح بالزحف وينتهي بالرجوع؟

وكان مقتضى العقل أن يعترفوا بسوء التقدير، ومقتضى الأمانة والصدق أن يقولوا للناس: دخلنا بوعيدٍ عظيم، وخرجنا بعجزٍ أليم. لكنهم لم يفعلوا؛ بل نقلوا الكذبة من حدود إيران إلى أوطان العرب، وصدّروا الوهم كما صدّروا السلاح والشر. مدّوا أذرعهم في بلاد العرب، وزرعوا في مجتمعاتها الشقاق والطائفية، ثم صنعوا منها حزبًا، ومن الحزب مليشيا، ومن المليشيا سلطةً فوق السلطة، ودولةً تنازع الدولة؛ سلاحها خارج الشرعية، وولاؤها عابرٌ للحدود، وقرارها خارج الوطنية.

ثم سمّوا الإرهاب مقاومة، والفتنة ممانعة، والتبعية ولاية، واختطاف الأوطان حمايةً ورعاية. فعندما دُحرت مليشياتهم الإرهابية في سوريا، وانحسر نفوذها، وتهاوت أدواتها، قالوا: انتصرنا. ولما ضُرب حزبهم اللبناني الإرهابي، وقُتل قادته، وتكسّرت قدراته، وتهاوت الهيبة التي نفخت فيها الدعاية حتى غدت في أعين المخدوعين أسطورة، قالوا: انتصرنا.

فإذا اعترض مواطنٌ عربيٌّ مخلصٌ أبيٌّ اتهموه، وإذا طالب بسيادة بلاده خوّنوه، وإذا رفض أن يكون قراره مرهونًا بطهران حاصروه في دينه ووطنيته وضميره. يريدون للعربي اسمَ وطنٍ بلا سيادة، ورايةً بلا إرادة، وأرضًا يسكنها وقرارًا لا يملكه؛ يريدونه مواطنًا في الأوراق، تابعًا في الأعماق، يحمل اسم بلاده، ويهب أمره وولاءه لمن لا يعيش في وطنه، ولا يستثمر في بناءه ولا يدفع ثمن خرابه.

فهم ينتصرون إذا تقدّموا، وينتصرون إذا تراجعوا؛ ينتصرون إذا بقيت أذرعهم، وينتصرون إذا قُطعت؛ ينتصرون إذا هاجموا، وينتصرون إذا اختبأوا؛ حتى لو لم يبقَ من الجيش إلا اسمه، ولا من السلاح إلا رسمه، ولا من المشروع إلا وهمه.

فالاعتراف عندهم أخطر من الهزيمة؛ لأن الهزيمة تُفقدهم موقعًا، أما الاعتراف فيُسقط الرواية التي أقاموا عليها مواقعهم وأتباعهم ومشروعهم. ولذلك يضحّون بالحقيقة لينقذوا الحكاية، ويكابرون في النتيجة ليحفظوا الدعاية؛ لأنهم يعلمون أن سقوط السلاح قد يُعوّض، أما سقوط الوهم من عقول الأتباع فلا تستره خطبة، ولا تعيده خدعة.

لقد كشفت الضربات الأمريكية والإسرائيلية المستور، وفضحت المغرور، وهتكت ما نسجته الدعاية من ستور. ضُربت المواقع، وحُطّمت القدرات، وتصدّعت البنية العسكرية، واشتد الخناق الاقتصادي، وظهر الفرق بين صخب المنابر وحقيقة المخابئ، وبين زئير الخطاب وارتباك القرار.

قالوا: سنزلزل الأرض تحت أقدام خصومنا؛ فلما زُلزلت مواقعهم قالوا: انتصرنا. وقالوا: سنحرق من يقترب منا؛ فلما احترقت قدراتهم قالوا: انتصرنا. وقالوا: ردّنا سيغيّر وجه المنطقة؛ فلما جاء الرد محدودًا مردودًا، لا يردع ضاربًا، ولا يستعيد قدرةً، ولا يجبر كسرةً، عرضوه على الأتباع فتحًا لا يُضاهى، ونصرًا لا يُجارى.

وما أشبه منطقهم برجلٍ صفعه خصمه، فلما سأله الناس: ماذا فعلت؟ قال: أتعبتُ يده بوجهي! فإن ضحكوا من منطقه رماهم بالخيانة، وإن سخروا من حجته وصفهم بالعمالة، وإن سألوه عن شاهد نصره أراهم أثر الصفعة على وجهه، ثم أقسم أن الأثر وسام، وأن الألم انتقام.

لقد قام مشروع ولاية الفقيه على ثلاثٍ لا رابعة لها: بيع الوهم، وتصدير الإرهاب، وتزييف الهزيمة. يبيعون الوهم للتابع حتى ينسى خسارته، ويصدّرون الإرهاب إلى الجار حتى يحجبوا فشلهم، ويزيّفون الهزيمة حتى يبقى الأتباع أسرى روايتهم.

فالوهم بضاعة الداخل، والإرهاب بضاعة الخارج، والكذب جسرٌ يصل بين البضاعتين؛ يخدعون شعبهم بوعد القوة، فإذا جاع قالوا: ذلك ثمن المقاومة، وإذا انهارت العملة قالوا: تلك ضريبة الكرامة، وإذا ضاق الاقتصاد قالوا: حصارٌ ومؤامرة، وإذا ثار الناس قالوا: فتنةٌ مدبّرة.

فلا هم أشبعوا جائعًا، ولا صانوا وطنًا، ولا حفظوا سيادةً، ولا حققوا وعدًا؛ ولكنهم أحسنوا تحويل الفقر إلى بطولة، والحرمان إلى فضيلة، والفشل إلى قضية، والخسارة إلى تضحيةٍ لا يجوز السؤال عن جدواها، ولا المحاسبة على نتائجها.

إنهم لا يصنعون النصر، بل يصنعون نشرته؛ ولا يحققون الظفر، بل يحرّرون صيغته؛ عندهم للوهم سوقٌ يسمّى مقاومة، وللكذب مجلسٌ ينسج الزور باسم الصيانة، وللهزيمة اسمٌ يسترها ووصفٌ يجمّلها.

فإن قُتل القادة قالوا: دماؤهم حياة، وإن سقطت المواقع قالوا: سقوطها بداية، وإن تقطّعت الأذرع قالوا: ازداد المحور اتساعًا، وإن عادوا من المعركة بلا هدفٍ تحقق، ولا عدوٍّ اندحر، ولا أرضٍ تحررت، قالوا: يكفينا أننا بقينا! وكأن البقاء بعد الوعيد فتح، والنجاة بعد التهديد نصر، والعجز عن تحقيق المقاصد مجدٌ وفخر.

لكنّ للحقائق وجهًا لا تغيّره المساحيق، وللهزائم صوتًا، وللوقائع لسانًا لا تُسكته الخطب، وللتاريخ عينًا لا تنام، وذاكرةً لا تُشترى، ومحكمةً لا تخدعها البيانات، ولا ترشوها الشعارات. وقد يخدع الكاذب بعض الناس بعض الوقت، لكنه لا يخدع الأيام، ولا يمحو الآثار، ولا يحوّل الأنقاض إلى انتصار.

فما كلُّ صائحٍ منتصرًا، ولا كلُّ صامتٍ منكسرًا، ولا تُقاس الحروب بارتفاع الصوت، ولا بكثرة الخطب والبيانات؛ وقد خاب من صدّق كذبهم، واتبع خبثهم، ولبس ثوب زورهم؛ وخسر من سلّم لهم عقله، وأعارهم سمعه، وأمر عينه أن تكذّب ما ترى لتصدّق ما يُروى. فلا ضجيج الإعلام يبدّل الأحكام، ولا كثرة البيانات تغيّر النهايات، ولا تكرار «انتصرنا» يمحو من سجل التاريخ أنهم انهزموا.

ستبقى الهزيمة هزيمةً وإن زيّنوها، والانكسار انكسارًا وإن أنكروه، والكذبة كذبةً وإن كرّروها. وسيبقى نظام ولاية الفقيه كلما سقط له مشروع، واندحرت له مليشيا، وتحطّمت له قدرة، يفتّش في خزائن التدليس عن لفظٍ جديد، ووصفٍ جديد، وثوبٍ جديد؛ غير أن الهزيمة أوسع من أن يسترها ثوب، والحقيقة أبقى من أن يمحوها كذب، والتاريخ أعدل من أن يمنح النصر لمن لم يصنع منه إلا اسمه، ولم يملك منه إلا رسمه.

أفلا كان أولى بهذا النظام، وقد ملأ الجوار شرًّا ولم يملأ بيوت شعبه خبزًا، أن يكفَّ عن تصدير الإرهاب واستعداء الجوار، وأن يُشبع الجائع قبل أن يسلّح التابع، ويعمّر الدار قبل أن يفاخر بالدمار؟

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية