من قِيم ومبادئ عاشوراء استلهام مبادئ وتضحيات الإمام الحسين -عليه السلام- في الإصلاح والحرية والتضامن المجتمعي، والعمل على توظيف المناسبة لطرح خطاب ديني توعوي كركيزة أساسية لتعزيز اللحمة الوطنية والانفتاح والتعايش السلمي، والتركيز على ما يجمع بين المسلمين والمجتمع الواحد، وهي من أهداف النهضة الحسينية المباركة، وهذا يُساهم في الارتقاء بالمستوى الثقافي والعلمي للمنبر. لقد كانت نهضة الإمام الحسين نهضة إنسانية بامتياز، إنسانية في أهدافها ومنطلقاتها، وفكرها ورسالتها، وهي بحاجة إلى خطاب إنساني يحمل قِيم هذه النهضة، وينشرها بين الناس، لاستمراريتها ودوام تأثيرها.
والخطاب هو “كل تلفُّظ يفترض مُتكلمًا ومُستمعًا”، وهذا يعني أن الخطاب عملية تواصل بين طرفين، وأن يهدف الأول (صاحب الخطاب) إلى التأثير في الثاني (المُستمع)، وهذا الخطاب له بُعدان، الأول هو “الرؤية”، بمكوناتها من ثقافة وقناعات وهموم واهتمامات، والثاني هو لغة ذلك الخطاب التي يجب أن تكون لغة محددة ومحكومة بتلك الرؤية. ويشمل خطاب عاشوراء، بجانب ما يتلوه القراء على المنابر وهو جزء مهم وبارز، نصا أدبيا أو نثريا أو مقالا، أو لوحة فنية لمشهد عاشورائي، أو إنتاج فيلم، أو إعداد برامج ثقافية ومسابقات عن هذه النهضة، فجميعها تساهم في تقديم خطاب يعكس هذه المناسبة وأهدافها، فكل واحد منا معني بهذا الخطاب ومنتج له ومساهم في تقديمه، وأن يكون الجمهور مشاركًا فيه، وألا يبقى الجمهور مُستمعا فحسب. وعندما يستمع المرء إلى محاضرة عليه أن يستمع بعقلٍ مفتوح وأذن واعية، أي على المرء أن يفتح عقله ويُقيم كل ما يُلقَى عليه، فالمستمع الواعي صاحب عقل ووعي وتحليل.
ومن مزايا الخطاب الجيد أنه يمتلك القدرة على الاستقطاب الجماهيري، وأنه قادر على استنهاض الأمة ودفعها نحو التقدم، كما أن لهذا الخطاب دوره الثقافي والتربوي والتنويري، وهذه المزايا والإيجابيات تنقل النهضة الحسينية من إطارها الضيق إلى الفضاء الإنساني الواسع، فالتثقيف هو مسؤولية مشتركة بين ملقي الخطاب والمستمع أو المشاهد الذي لا بد له من أن يعرف كيف يتثقف، وعمن يأخذ ثقافته. لذا، فالخطاب معني بتقديم الإمام الحسين الإنسان، وبالصورة التي تليق به وبنهضته، فالحسين الحقيقي هو حسين المبادئ والحياة، ورسالته هي رسالة الحياة، وأنه حسين الفكر والسلوك، ومنهاج أدبي وثقافي واجتماعي وحقوقي موجه إلى جمهور متنوع من الناس. وبتجدد هذا الخطاب مع الحالة أو الأحداث والأوضاع التي فيها المجتمع، ويسمو كلما التصق بتطلعات وأماني الناس ومشكلاتهم الإنسانية.
*كاتب بحريني