تم اعتماد السنة الهجرية تخليدًا للهجرة النبوية المباركة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وهي لم تكن مجرد رحلة انتقالية عادية، بل كانت لحظة مولد أمة، ووضع أسس لتشييد وبناء دولة، وإرساء قواعد المجتمع المدني المترابط. وفي هذا المجتمع الجديد تحول المسلمون إلى أمة قوية مستقلة ذات سيادة في المدينة المنورة، والتي كانت أول عاصمة للدولة الإسلامية، وتجسد فيها رباط الأخوة والمواساة بين المهاجرين والأنصار. وكان من ثمرة هذه الرحلة المباركة دولة ترسخت فيها مبادئ العدل والتعايش والدفاع المشترك عن الدولة والدين.
كان توقيت الهجرة في أحلك الظروف وأصعبها بعد انبثاق الرسالة المحمدية في مكة، توقيت تجلت فيه قمة اليقين والطمأنينة، والثقة المُطلقة بنصر الله، واليقين بأن الأزمات والشدائد يولد منها الفرج. كان النبي (ص) هو قائد هذه الهجرة التي شارك فيها الشباب والنساء والرجال والشيوخ، والذين ساهموا في إنجاحها، مسيرة كانت فيها عظمة التضحية في سبيل المبدأ. تجلت عظمتها بترك المهاجرين ديارهم وأموالهم، فارقوا وطنهم حُبًا في الله ورسوله ونصرة للدين الحق. فسجلت الهجرة شجاعة “الإمام علي بن أبي طالب” ومبيته في فراش النبي، وتحملت السيدة “أسماء بنت أبي بكر” مشقة إعداد وتوصيل الطعام إلى الغار.
وعلى أرض الهجرة تجلت قِيم الإخاء والمحبة بين المهاجرين والأنصار، وأسهموا معًا في التأسيس القوي والسليم لبناء الأمة والدولة البناء الروحي والاجتماعي والاقتصادي، فبدأ النبي ببناء المسجد النبوي ليكون مركزًا للعبادة ومدرسة للتربية والوحدة بين المسلمين، فالتربية السليمة القويمة للإنسان تترتب عليها أمة متماسكة قوية البنيان.
ووجود دولة قوية يتطلب أمرين، الأول أن يتربى أفرادها على عقيدة إيمانية صحيحة، والثاني أن تربط بين أفرادها علاقة التماسك والتناصح، وأن القوي يحمي الضعيف، والغني يعطي الفقير. كما قال ﷺ)الْمُؤمِنُ لِلْمُؤمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بعضًا).
لقد تحمل النبي تهكم المشركين وتضييقهم عليه وعلى أصحابه الذي رآهم وهُم يُعذبون ويُجلدون ويُسحلون ويُصلبون، فيواسيهم ويُصبرهم ويربط على قلوبهم ويُقوي من عزيمتهم ويُعلي من همتهم. وكان ﷺ ينظر إلى صبر أصحابه وهُم ثلة من الفقراء وقليلٌ من الأغنياء ويتطلع إلى تضحياتهم التي تبشر بقرب نشر الإسلام في مكة وما جاورها من قبائل وبلدان. وكانت المدينة البيئة النقية والأرض الخصبة التي أينعت فيها بذور الدين. وودع النبي ﷺ بلدته وهو متوجه للمدينة بكلمات مؤثرة معبرة تدل على قيمة الوطن لدى الإنسان وحزنه على مفارقته، فحب الوطن نازع فطري وواجب إيماني وإحساس قلبي، لذا، فالواجب علينا الحفاظ على أوطاننا وصيانتها من الشوائب المادية والبشرية.
كاتب بحريني