تلعب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وحتى المتناهية الصغر، دورًا كبيرًا في الاقتصاد في كل دول العالم غنيها وفقيرها، شمالها وجنوبها. ووفق الدراسات فان هذه المؤسسات تشكل أكثر من 90 % من إجمالي الشركات على مستوى العالم. وتتوزع مساهماتها العالمية وفقا لبيانات “مؤسسة التمويل الدولية” وتغطي نسبة تصل إلى 70 % من إجمالي الوظائف في الأسواق الناشئة والدول المتقدمة على السواء، ومن حيث الناتج المحلي فإنها تشكل ما يقارب 50 % من إجمالي الناتج المحلي والإجمالي العالمي ويقدر عدد هذه المؤسسات بأكثر من 400 مليون شركة تعمل في مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية والتنموية وهي موجودة في كل شارع وركن وزقاق، وكلنا نحتاج لها يوميًّا كالخباز واللحام وبائع الخضرة وسائق الأجرة والحلاق والترزي والمعاهد الدراسية والسوبرماركت والسباك والنجار والبناء وتصليح الأجهزة وطلبات وهوم دليفري وشاي الكرك والسندوتشات والمطاعم وغيرهم من المؤسسات وغيرهم الكثير.
وبالنسبة للبحرين فإن هذه المؤسسات تستحوذ على نسبة تصل إلى 94 % من إجمالى السجلات التجارية، وتعد محركًا رئيسًا لخلق فرص العمل خاصة وسط الشباب من الجنسين، وتنويع مصادر الدخل وتنشيط الحركة التجارية والاستثمارية والتنموية. ولهذا، هناك زخم خاص جدًّا لهذه المؤسسات وعناية مكثفة واهتمام خاص على المستويين الحكومي والقطاع الخاص بكل قطاعاته.
وعند الحديث عن المؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وبالرغم من الاهتمام والعناية المشار لها أعلاه، لكن لا يفوتنا القول بان هناك عدة صعاب ومحاذير سلبية ومخاطر ترتبط بقيام هذه المؤسسات ونشاطاتها. ومن أول هذه المحاذير والمخاطر نجد صعوبة الحصول على التمويل لتغطية النشاطات التجارية والاستثمارية التي ترغب هذه المؤسسات الخوض فيها، وذلك يعود أساسًا لعدم وجود ضمانات كافية تضمن أعادة القروض والتسهيلات المالية المقدمة للمؤسسات. وبالطيع، فإن هذا الوضع موجود في كل دول العالم وبنسب مختلفة، لكنه موجود كحقيقة قائمة وهناك محاولات عديدة لتجاوز هذه المعضلة المالية.
وربما يكون من أفضل الممارسات إنشاء بنوك وشركات تمويل خاصة للعناية بشكل رئيسي بدعم المؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة وتوفير الدعم المالي لها عند الضرورة. والبحرين قد تكون نموذجًا مثاليًّا نظرًا لإنشاء ووجود العديد من هذه المؤسسات الخاصة للتمويل وفق شروط خاصة تخضع لممارسات مرتبطة بنشاطات ودور المؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في دعم الاقتصاد وبعيدًا عن الجشع التجاري والمضاربات والمنافسة غير الشريفة والرسوم الباهظة.
وللعلم، فإن عدم تعريف هذه المؤسسات وتصنيفها يعتبر من أحد الصعاب والمخاطر لعدم وجود تعريف قانوني واضح لها. وعدم التعريف يعتبر من أحد الأسباب الرئيسة التي لا تؤهل أي طرف أو جهة للحصول على التمويل من المصارف والمؤسسات المالية التي، وبحكم القانون، لا تتعامل مع المجهول الأساس.
ومما أثلج صدري اليوم، صدور القرار رقم (23) لسنة 2026 من وزير الصناعة والتجارة بإصدار معايير جديدة بشأن تصنيف المؤسسات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، والذي يحدد معايير التصنيف إلى عدد العمالة والإيرادات السنوية للمؤسسات. بما يسهم في تنظيم القطاع وتعزيز كفاءة البرامج والخدمات الموجهة إليه. وبحسب القرار المنشور في الجريدة الرسمية تصنف المؤسسات متناهية الصغر ضمن هذه الفئة إذا كان عدد العاملين فيها خمسة (5) عمال أو أقل وتبلغ إيراداتها السنوية 300 ألف دينار بحريني أو اقل. وتصنف المؤسسات الصغيرة إذا تراوح عدد العاملين فيها بين ستة (6) وخمسين (50) عاملًا وكانت إيراداتها السنوية تزيد على 300 ألف دينار بحريني حتي أربعة (4) ملايين دينار بحريني. أما المؤسسات المتوسطة فتندرج ضمن هذه الفئة إذا تراوح عدد العاملين فيها بين 51 و250 عاملًا وكانت إيراداتها السنوية تزيد على 4 ملايين دينار حتي 20 مليون دينار بحريني. وأكد القرار جواز اعتماد أحد معياري التصنيف أو كليهما عند تحديد فئة المؤسسة، وفقًا لما ينظمه الدليل المعتمد للتصنيف.
إن هذه الخطوة في نظرنا، وبالرغم من وجود بدائل أخرى للتعريف والتصنيف، تعتبر خطوة جريئة وهامة جدًّا بل ضرورية، وتمنح المزيد من الزخم والدعم الرسمي. وبهذا التصنيف والتعريف الواضح تجد المؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة نفسها في وضع قانوني ومؤسسي واضح المعالم ويزيل اللبس حول كنه وكيان هذه المؤسسات التي ربما تكون صغيرة في الحجم والمال والعمالة، لكنها عظيمة الشأن وعالية الهمم في دفع الاقتصاد الوطني لارتياد القمم، وهذا المبتغى والشكر لمعالي وزير الصناعة والتجارة الهمام.
*المستشار والخبير القانوني