لا تريد سنغافورة أن تكون ممرا عابرا للذهب، بل تسعى إلى أن تصبح جزءا من هندسة الثقة التي تحيط به، فقد أعلنت خطة لإنشاء نظام مقاصة للذهب خارج البورصة بحلول نهاية 2026، إلى جانب تقديم خدمات تخزين الذهب للبنوك المركزية والجهات السيادية الأجنبية ابتداء من أكتوبر. وتكشف هذه الخطوة أن سنغافورة لا تفكر في بيع سبائك أكثر فحسب، بل في بناء سوق متكاملة تجعل الذهب المخزن على أرضها قابلا للتداول والتسوية والحفظ والتمويل ضمن إطار مؤسسي واضح.
وتبدأ أهمية الخطة من نظام مقاصة ستنشئه بورصة سنغافورة للذهب المادي المخزن محليا ضمن إطار “Loco Singapore”، بمشاركة ست مؤسسات مالية محلية ودولية. وهذا يعني أن المشروع لا يقوم على التخزين فقط، بل على شبكة مصرفية توفر السيولة، وتسجل الصفقات، وتقلل مخاطر التسوية، بما يعزز موقع سنغافورة مركزا آسيويا لتجارة الذهب.
ولا تنفصل هذه الخطوة عن تغير عالمي أوسع في نظرة البنوك المركزية إلى الذهب، فقد أظهر مسح حديث لمجلس الذهب العالمي، مبني على آراء 74 مدير احتياطيات، أن 89 في المئة من المشاركين يتوقعون زيادة احتياطيات البنوك المركزية العالمية من الذهب خلال الاثني عشر شهرا المقبلة، بينما قال 45 في المئة إن مؤسساتهم نفسها تتوقع زيادة حيازاتها. كما أفاد 93 في المئة بأن مؤسساتهم تحتفظ بالذهب فعلا. هذه الأرقام تشرح توقيت الخطوة؛ الطلب لم يعد على الذهب وحده، بل على أماكن آمنة وشفافة لحفظه وإدارته.
ولتعزيز هذا التحول، ستزيل سلطة النقد السنغافورية سقفا نسبته 5 في المئة كان يحد استثمارات المعادن النفيسة المادية ضمن بعض الحوافز الضريبية للصناديق الاستثمارية المؤهلة ورؤوس الأموال الخاصة. وهذا يفتح الباب أمام مستثمرين كبار لاستخدام سنغافورة منصة للذهب المادي والاستثمار طويل الأجل.
وتهم هذه الخطوة دول الخليج من زاوية عملية، فالمنطقة تمتلك فوائض مالية وصناديق سيادية ومراكز مالية تسعى إلى تعزيز حضورها العالمي، كما أن الذهب حاضر في تاريخها التجاري والاجتماعي، غير أن التجربة السنغافورية تقول إن القيمة لا تكمن في امتلاك الأصل وحده، بل في بناء المنظومة التي تجعله أكثر سيولة وموثوقية وقابلية للتداول، فالذهب في الخزنة يظل احتياطا ساكنا، أما حين يدخل في نظام مقاصة وحفظ وتسوية، فإنه يتحول إلى أداة مالية ذات حركة ووظيفة.
في النهاية، لا تدخل سنغافورة سوق الذهب لتزاحم لندن أو نيويورك أو هونغ كونغ أو شنغهاي بالشعارات، فلكل منها تاريخ طويل في التداول والمقاصة والتخزين، لكنها تحاول أن تضيف مركزا آسيويا يجمع بين الحفظ والتسوية والسيولة والثقة المؤسسية. وهنا يصبح الذهب اختبارا لقدرة الدول الصغيرة على تحويل الثقة إلى صناعة مالية، وسؤالا خليجيا عن بناء منصات تجعل الأصول أكثر أمانا وحركة وتأثيرا في الاقتصاد العالمي.
*صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور