في قلب جنوب شرق آسيا، تقف لاوس كدولة هادئة لا تصل كثيرًا إلى نشرات الأخبار الخليجية، لكنها تحمل درسًا اقتصاديًّا لا ينبغي تجاهله: ليس كل نمو يعني تعافياً، وليس كل تراجع في التضخم يعني أن الأزمة انتهت. فهذه الدولة الحبيسة، الواقعة بين الصين وتايلاند وفيتنام وكمبوديا وميانمار، تتحرك اليوم بين مؤشرات تبعث على التفاؤل وأعباء تمنعها من الركض.
تبدأ القصة من الرقم لا من الانطباع. يتوقع بنك التنمية الآسيوي أن ينمو اقتصاد لاوس بنسبة 4.0 % في عام 2026 بعد 4.4 % في 2025، على أن يرتفع إلى 4.5 % في 2027، مدفوعًا بالخدمات وتوليد الكهرباء والبناء والربط الإقليمي. لكن البنك نفسه يتوقع أن يبلغ التضخم 9.8 % في 2026، وهي نسبة أخف من موجات سابقة، لكنها لا تزال ثقيلة على الأسر محدودة الدخل.
ومع هذا التحسن، تظهر المفارقة. البنك الدولي يقول إن الاقتصاد اللاوسي أظهر في 2025 تحسنًا في الاستقرار الكلي، مع سعر صرف أكثر هدوءاً وتراجع في التضخم، وأن النمو قادته السياحة والنقل والطاقة والتعدين والتصنيع. لكن الصورة لا تكتمل من دون رؤية ظلها؛ فالنمو لا يزال مقيدًا بضعف الإنتاجية ونقص المهارات وفجوات البنية التحتية. هنا تبدو لاوس كمن رمم واجهة البيت، بينما لا تزال أساساته تحتاج إلى تدعيم.
وتمنح السياحة هذه القصة وجهاً أكثر إشراقًا. فقد استقبلت لاوس 4.58 مليون سائح في 2025، بزيادة 11 % عن العام السابق، متجاوزة هدفها الحكومي البالغ 4.3 مليون زائر. هذا الرقم مهم لأنه يعني عودة الحياة إلى الفنادق والمطاعم والنقل والأسواق المحلية، لكنه لا يكفي وحده لصناعة اقتصاد قادر على مقاومة الصدمات. فالسائح ينعش السوق، لكنه لا يسدد الدين العام وحده ولا يبني قاعدة إنتاجية عميقة.
ومن هنا تبرز أهمية لاوس. فدول الخليج، وهي تنظر شرقاً نحو آسيا، تحتاج إلى قراءة الأسواق الصغيرة لا الاقتصادات الكبرى فقط. لاوس ليست سوقاً ضخمة، لكنها تقع على خريطة الربط بين الصين وآسيان، وتملك فرصًا في السياحة والطاقة الكهرومائية واللوجستيات. غير أن الدخول إليها يحتاج إلى حذر لا حماس أعمى؛ فالدّين، وضعف العملة، واعتمادها على محيطها الإقليمي، تجعلها فرصة مشروطة لا وعدًا مفتوحًا.
الدرس الأوسع أن التنمية لا تقاس بسرعة الحركة فقط، بل بقدرة الطريق على الاحتمال. قد تنمو لاوس، وقد تجذب السياح، وقد تبيع الكهرباء لجيرانها، لكنها لن تتحول إلى قصة نجاح مكتملة ما لم تعالج أساس الأزمة: إنتاجية أضعف من الطموح، ودَين أثقل من النمو، ومهارات لا تواكب الجغرافيا الجديدة. لذلك فإن لاوس، وهي تتعافى تحت ظل الديون، تذكّر الخليج بأن آسيا ليست كلها نمورًا صاعدة؛ فيها أيضاً اقتصادات تمشي ببطء، لكنها تستحق القراءة لأنها تكشف الفارق بين التعافي الحقيقي والتعافي المؤجل.
* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور