العدد 6493
السبت 25 يوليو 2026
حين يغادر الخيال الورق
السبت 25 يوليو 2026

أخيرا، وعندما وطأت قدمي عالم الفانتازيا مطلقة العنان لنفسي في تجربة جديدة، كنت أظن أنها قد توقفت أو انتهت بالأحرى عند “كافكا على الشاطئ” مع هاروكي موراكامي، حينما تساقط السمك على أم رأسي وأفقدني التفكير في أي شيء آخر سواه! 
تساءلت كثيرا عن قدرة موراكامي على إحداث كل هذا اللغط والانفعال والأحداث المتسارعة، حيث تنقلب الأمور رأسا على عقب بوتيرة حادة السرعة في مشهد واحد فقط! نعم، مشهد واحد لا يعدو أن يكون في حياتك أيها الإنسان وأنت تعبر الطريق بكل بساطة.
عموما، كانت هذه الرحلة مشوقة جدا على رغم غرابتها نوعا ما على قارئة اعتادت أن تبيت في حواري نجيب محفوظ وطه حسين، وربما تتنقل في طفرة أقصاها دوستويفسكي، ولكن أن تبحر في عالم السحر والأقزام والحروب والكائنات الغريبة، فهو ما يدعو للدهشة حقا.
هكذا حدثت نفسي مرارا وأنا أقرأ “ذا هوبيت” للكاتب الإنجليزي جون رونالد تولكين. لم تكن قراءة سهلة البتة، إذ إن الخوف والريبة والتكهنات السابقة لخوض غمار هذه التجربة الجديدة كانت العائق الأول، ولكنني وجدت نفسي -بعد إشادة وتحفيز صديق- قد وضعت أولى خطواتي في ذلك المكان البعيد جدا عن هنا بآلاف الفراسخ أو ملايين المجرات حتى!
أومن أن التحديات هي ما تصنعنا، ولذلك لم أقاوم التيار هذه المرة -عكس ما اعتادت عليه نفسي- وتركت عقلي سابحا حيث شاء “ذا هوبيت” أن يضعه. 

وكلما سبرت أغوار الرواية، غمرني ذلك التساؤل: كيف لهذا العالم المليء بالعجائب أن ينتقل من الورق إلى الشاشة محافظا على سحره؟ حينها تيقنت بأن للفن قدرة على تجسيد هذا الخيال في صورة فائقة الجمال، ومن هنا كان لا بد أن أتوقف عند تحول هذه الرواية العظيمة جدا إلى فيلم سينمائي حاز على العديد من جوائز الأوسكار.
وهو ما دعاني إلى التساؤل مرة أخرى: كيف تؤثر كتابة الرواية في صناعة السينما؟ وبالأحرى سأكون أكثر دقة لأقول: كيف تؤثر الفانتازيا في صناعة السينما؟
هذا العالم الهائل بسحره الماتع، حينما يخرج من تفكير الروائي ليصبح ساحة واسعة التجوال بعد أن كان متبلورا في نطاق خاص يتعلق بذهنيته الفذة، نلاحظ فيه أن التكنيكات التي يتبعها الكاتب منذ البداية عند نقطة اختيار الحبكة والمكان والأشخاص هي ما يحدد فعلا ما إذا كان هذا النص سيتحول إلى عمل سينمائي من عدمه وفقا لرؤية الكاتب.
غير أن ذلك لا يتفق بالضرورة مع الرؤية الإخراجية والإنتاجية القائمة على تحويل النص إلى مشاهد متحركة، فلطالما كانت هناك روايات تحولت إلى أيقونات سينمائية فاقت شهرتها شهرة النص الأصلي، كرواية “العراب” (The Godfather).
وهذا ما يضعنا أمام تساؤل محدد: هل كل نص قابل للتحول المرئي بغض النظر عن رؤية كاتبه؟
لن تتوقف الإجابة هنا على الكاتب فقط، إذ إن السيناريست والمخرج يدوران في دائرة واحدة لا يمكننا تجزئتها، ويحمل كل فرد منهم زاوية معينة للرؤية تختلف عن الآخر. وقد تطرق السيناريست أحمد خاطر في إحدى ندواته إلى أن الرواية تخضع لمعالجة درامية من أجل تحويلها إلى سيناريو وفق قواعد معينة، وعلى غرارها يتم التحكم في كتابة السيناريو بالعديد من الأمور كمواقع التصوير وعدد الممثلين، مع عدم مراعاة ضرورة الالتزام ببداية الرواية أو وسطها أو نهايتها أثناء تحويلها لسيناريو، حيث إن الأخير يمكن الكاتب من اللعب بهيكلية الرواية عن طريق إعادة تشكيلها دون التقيد بالمقدمة والعرض والخاتمة.
إذًا، نحن أمام جزء من الإجابة يكتمل برؤية المخرج التي تتبلور في بحثه عن النصوص البصرية، حيث إن الصورة تحمل لغتها الخاصة، وبالتالي فإن المشهد هو الوحدة الأساسية التي تتراكم لتصبح فيلما فيما بعد.
وتتفاوت نظرة المخرج من نص إلى آخر، فقد يرى أن في الصمت حركة وفي الوصف مشاهد داخلية، إذ إن توجهه في النهاية يهدف إلى تقديم نص يتحرك أمام الكاميرا بغض النظر عن جودة النص أو رداءته، فهو يحمل وجهة نظر مغايرة للكاتب في هذا الشأن.
وفيما يتعلق برواية الفانتازيا، فإن تحويل هذه النصوص إلى أفلام سينمائية يستدعي استخدام الخدع البصرية والبرامج الرقمية لصنع العالم الخاص بالسحر والخيال حتى يبدو مماثلا للحقيقة. وتعد روايتا “الهوبيت” و “سيد الخواتم” للروائي جون رونالد رويل تولكين، دون إغفال رواية “هاري بوتر” للكاتبة الإنجليزية جوان رولينغ، خير شاهد على ذلك.
اليوم، وبعد التطور الهائل في استخدام التكنولوجيا كتقنية حديثة تقوم على إحياء النصوص في العالم عبر شاشات السينما، أصبحنا أمام علامة فارقة في اختيار الرواية الفانتازية كلون أدبي يستطيع تلبية رغبة المشاهدين وأخذهم في رحلة مليئة بالإبداع والسحر والمؤثرات الخيالية.
إن للفانتازيا لمسة ساحرة تجعلنا نؤمن بأن أكثر العوالم غرابة واستحالة يمكن أن تغدو واقعا نراه بأعيننا، ولعل الفانتازيا لهذا السبب ستظل واحدة من أكثر الألوان الأدبية قدرة على إعادة تشكيل مخيلة الإنسان.

*كاتبة بحرينية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .