العدد 6493
السبت 25 يوليو 2026
رياح فيتنام واقتصاد الهيدروجين
السبت 25 يوليو 2026

تراهن فيتنام على الهيدروجين بوصفه أحد مفاتيح اقتصاد الطاقة المقبل، مستفيدة من سواحلها الطويلة ومواردها الكبيرة من الرياح البحرية وقاعدتها الصناعية المتنامية. ولم يعد هذا الوقود في حسابات هانوي مجرد تجربة تقنية، بل مشروع اقتصادي يربط الطاقة المتجددة بالمصانع والموانئ والأسواق، غير أن امتلاك الرياح والمصانع لا يكفي وحده، فالسؤال الحقيقي هو ما إذا كانت فيتنام قادرة على تحويل هذه المقومات إلى صناعة متكاملة ومجدية اقتصاديًا.
اقتصاد الهيدروجين منظومة تشمل إنتاج الغاز وتخزينه ونقله أو تحويله إلى أمونيا وميثانول، ثم استخدامه في الصناعة والطاقة والنقل. ويُنتج النوع الأخضر بفصل الماء بكهرباء متجددة، لذلك يعتمد نجاحه على طاقة رخيصة وبنية تحتية وتشريعات وتمويل ومشترين.
ومن هنا جاءت مذكرة التفاهم بين نادي الهيدروجين الفيتنامي – “الآسياني” وشركتين استشاريتين أمريكيتين، لتدريب الكفاءات ونقل التكنولوجيا وربط المشروعات بالمستثمرين والمؤسسات المالية. الاتفاق لا ينشئ مصنعًا فورًا، لكنه يعالج العقدة الأصعب: كيف يتحول المشروع من عرض تقديمي إلى استثمار قابل للتمويل، ومن فكرة خضراء إلى عقد شراء طويل الأجل.
ولدى فيتنام مقومات حقيقية، فخططها الوطنية تراهن على توسع كبير في طاقة الرياح البحرية، التي تستطيع تشغيل أجهزة التحليل الكهربائي المنتجة للهيدروجين. كما تملك البلاد قطاعات صناعية ثقيلة، مثل الأسمدة والصلب والأسمنت والتكرير، وهي قطاعات يصعب خفض انبعاثاتها بالكهرباء وحدها، ويمكن أن تصبح أول سوق محلية للوقود الجديد.
وتكشف المشروعات المعلنة عن انتقال فيتنام من التخطيط إلى الاختبار العملي، وفي مقدمتها مشروع “ترا فينه” بطاقة تصميمية تبلغ 24 ألف طن سنويًا، إلى جانب مشروعات مقترحة في أقاليم أخرى. وتستهدف الاستراتيجية الوطنية إنتاج ما بين 100 ألف و500 ألف طن بحلول 2030، ثم بين 10 و20 مليون طن بحلول 2050، على رغم تحديات الكلفة والكهرباء والمياه والتخزين والسلامة وضعف البنية التحتية وغياب المشترين الدائمين حتى الآن.
وتكمن المفارقة في أن فيتنام تمتلك الرياح والمصانع، لكنها لم تربطهما بعد بصورة متكاملة، فإذا ارتفعت كلفة الكهرباء أو تأخرت الشبكات أو غاب المشترون، بقي الهيدروجين بلا سوق، أما إذا تكامل الإنتاج مع الموانئ والصناعات، فقد تصبح مركزًا إقليميًا يخدم “آسيان” وآسيا.
وتبرز هنا فرصة تعاون واعدة بين دول الخليج وفيتنام، فالأولى تملك رأس المال وخبرة الطاقة والموانئ ومشروعات الأمونيا والهيدروجين منخفض الكربون، فيما تمتلك الثانية قاعدة صناعية وسوقًا متنامية. ويمكن للطرفين تطوير استثمارات مشتركة في الأسمدة والصلب الأخضر والوقود البحري والتدريب، بدلًا من الاكتفاء ببيع التقنية أو شراء المنتج.
فيتنام لا تدخل اقتصاد الهيدروجين من باب الحلم وحده، بل من باب الحاجة الصناعية أيضًا. نجاحها سيُقاس بقدرتها على تحويل الرياح إلى طاقة، والطاقة إلى إنتاج، والإنتاج إلى وظائف وأسواق. عندها يصبح الهيدروجين قطاعًا اقتصاديًا حقيقيًا، لا مجرد شعار أخضر.

*صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون
منطقة جنوب شرق آسيا، ومقيم في كوالالمبور

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية