العدد 6486
السبت 18 يوليو 2026
ميانمار.. حين تصبح الإغاثة اقتصادًا
السبت 18 يوليو 2026

في ميانمار، لم تعد المساعدات الإنسانية منفصلة عن الاقتصاد؛ فكل كيس غذاء يصل إلى أسرة نازحة، وكل دواء يعبر إلى قرية معزولة، وكل طريق يُفتح أمام شاحنة إغاثة، يعيد تشغيل جزءًا من حياة توقفت. لذلك يُقرأ الاجتماع الذي عُقد مؤخرًا بين وزراء خارجية رابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» ووزير خارجية ميانمار تين ماونغ سوي، بوصفه اختبارًا لقدرة المنطقة على حماية الحياة قبل بحث الاستثمارات.

ولمن يراقب ميانمار من بعيد، تبدو الدولة العضو في رابطة «آسيان» التي تضم 11 بلدًا، موزعة بين حكومة أفرزتها انتخابات شديدة القيود ولم تحظَ باعتراف الرابطة، وجيش يواصل القتال، وقوى مؤيدة للديمقراطية وجماعات عرقية مسلحة في مناطق متفرقة. ومع اقتراب عدد النازحين من 3.8 مليون، تظل ما تُعرف بخطة السلام «توافق النقاط الخمس» عاجزة عن تحقيق وقف فعلي ومستدام للعنف.

ولا تكتمل صورة الأزمة من دون الروهينغيا، الأقلية المسلمة المحرومة من الجنسية في ميانمار، التي تحولت مأساتها منذ نزوح عام 2017 إلى جرح إقليمي مفتوح. ويعيش أكثر من مليون منهم في بنغلاديش معتمدين على المساعدات، فيما لجأ مئات الآلاف إلى ماليزيا وإندونيسيا وتايلاند. ومع استمرار القتال في ولاية راخين، تتراجع فرص العودة الآمنة، ويظل مصيرهم معلقًا بين اللجوء والانتظار دون أفق واضح.

ولهذا ركز وزراء خارجية «آسيان» في اجتماعهم على خطوات عملية تشمل خفض العنف، وتوسيع وصول المساعدات، وفتح حوار سياسي أشمل. فالمطلوب ليس عبور شاحنات لمرة واحدة، بل إنشاء ممرات إنسانية مستقرة، وتنشيط الأسواق، وحماية المدارس والعيادات. غير أن توسيع التواصل مع الحكومة العسكرية في نايبيداو قد يُفهم تخفيفاً لعزلتها، رغم استمرار القتال وغياب التقدم السياسي.

ويفسر تدهور الاقتصاد الميانماري ضرورة الاستعجال في معالجة الأزمة. فقد قدّر البنك الدولي انكماش الناتج الحقيقي بنسبة 2 % خلال السنة المالية 2025 /‏ 2026، مع نمو محدود بالمعدل نفسه لاحقًا، بينما بلغ التضخم 24.6 % في أبريل. فارتفاع الوقود والنقل يضغط على الغذاء والتعليم والعلاج، لا على المصانع وحدها.

أما خليجيًّا، فلا تنحصر أهمية ميانمار في كونها سوقًا آسيوية مضطربة أو بلدًا غنيًّا بالموارد، بل تمثل اختبارًا لقدرة العمل الإنساني على التحول إلى تنمية تحمي المجتمعات من الانهيار. ويمكن للتمويل الخليجي، مدعومًا بالخبرة اللوجستية والتنموية، دعم الغذاء والعيادات والتعليم ومشروعات الدخل الصغيرة داخل ميانمار وخارجها، ولاسيما بين الروهينغيا المسلمين، بما يحفظ أسباب البقاء ويهيئ أرضية للسلام، دون منح أي طرف مكاسب سياسية.

السلام لا يبدأ دائمًا من منصة مفاوضات؛ أحيانًا يبدأ من شاحنة تعبر، وسوق يفتح، ولاجئ يستعيد اسمه، وطفل يعود إلى مقعد دراسته. وحين تصبح الإغاثة اقتصادًا، تصبح حماية الحياة اليومية أول خطوة لإعادة ميانمار إلى نفسها، قبل إعادتها إلى محيطها.

 

* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .