العدد 6484
الخميس 16 يوليو 2026
خطاب لا يشبه الواقع
الخميس 16 يوليو 2026

في العلاقات الدولية، لا يكفي أن تمتلك الدول خطابًا متماسكًا حتى تضمن تصديقه. فالدبلوماسية قد تنجح في تحسين الصورة، وقد تؤجل التوتر، وقد تمنح مساحة للمناورة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع ثقة مستقرة إذا كان الواقع يسير في اتجاه مختلف.

ولهذا، تبقى المعضلة الكبرى في السياسة ليست في القدرة على الكلام، بل في القدرة على جعل الكلام يبدو منسجمًا مع الفعل.

في حالة إيران، تبدو هذه المفارقة حاضرة بصورة دائمة. فعلى المستوى الرسمي، يظهر خطاب يقوم على مفردات مألوفة في القاموس الدبلوماسي: الدعوة إلى الحوار، احترام الجوار، رفض التصعيد، والتأكيد على أن أمن المنطقة يجب أن يُدار من داخلها لا من خارجها.

هذه العبارات، في ظاهرها، لا تبدو مثيرة للخلاف. بل إن كثيرًا منها ينسجم نظريًا مع ما تطالب به دول الخليج نفسها. ولهذا، لا تكمن المشكلة في اللغة المستخدمة، بل في المسافة بين هذه اللغة وبين ما تراه دول المنطقة على الأرض.

ففي السياسة، لا تُبنى الثقة على جمال الخطاب، بل على استقرار السلوك. والكلمات مهما بلغت دقتها تبقى مؤقتة إذا لم تتحول إلى نمط يمكن التنبؤ به. الدول لا تبحث فقط عمّا يُقال، بل عمّا يمكن الاعتماد عليه.

ومن هنا، يصبح السؤال أكثر عمقًا:
لماذا يبدو الخطاب الإيراني، بالنسبة لكثير من العواصم الخليجية، أقل قدرة على الإقناع رغم استمراره وتكراره؟

السبب لا يرتبط بجملة واحدة أو موقف منفرد، بل بتراكم طويل جعل الخطاب يُقرأ بوصفه منفصلًا عن الواقع. فحين تتكرر الدعوات إلى التهدئة بالتوازي مع أزمات متلاحقة في الإقليم، تنشأ حالة من الشك لا تتعلق باللغة نفسها، بل بقدرتها على تمثيل الحقيقة.

وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فالدبلوماسية تقوم أساسًا على افتراض حسن النية. أي أن الطرف المقابل يفترض—ولو مؤقتًا—أن ما يُقال يمكن البناء عليه. لكن عندما تتكرر الفجوة بين التصريح والسلوك، يصبح هذا الافتراض أكثر هشاشة، وتتحول كل مبادرة جديدة إلى اختبار إضافي.

في الخليج، تُقرأ هذه الفجوة ضمن سياق أوسع من مجرد الاختلاف السياسي. فهي ترتبط مباشرة بمفهوم الأمن الإقليمي، وبفكرة أن الاستقرار لا يمكن أن يقوم إذا كانت هناك قراءتان مختلفتان لمعنى الجوار نفسه.

فالدول الخليجية تنظر إلى الجوار بوصفه التزامًا واضحًا بعدم التدخل واحترام الحدود السياسية والسيادية. بينما ترى قراءات عديدة في المنطقة أن إيران تتحرك أحيانًا ضمن تصور أوسع لمجال النفوذ، وهو ما يجعل العلاقة محكومة دائمًا بحالة من الحذر.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى:
اللغة السياسية الإيرانية تبدو في كثير من الأحيان هادئة ومتوازنة، لكن البيئة المحيطة بها لا تبدو كذلك بالدرجة نفسها.

ولهذا، لا يُقاس الخطاب فقط بمضمونه، بل بالبيئة التي يتحرك داخلها. فإذا كان الواقع ينتج توترًا مستمرًا، فإن الخطاب المطمئن يفقد تدريجيًا قدرته على التأثير، مهما كانت صياغته متقنة.

في هذا السياق، تصبح البروتوكوليات جزءًا من محاولة إدارة هذا التناقض.

فاللقاءات الرسمية، والزيارات المتبادلة، والتصريحات الدبلوماسية، كلها تعمل على تقديم صورة توحي بإمكانية احتواء الخلافات ضمن إطار سياسي منظم. وفي بعض الأحيان، تنجح هذه الأدوات في تخفيف التوتر أو فتح قنوات للحوار.

لكن المشكلة تظهر عندما يتحول البروتوكول إلى بديل عن التغيير الحقيقي.

فالمصافحات لا تكفي لبناء الثقة إذا كانت الأزمات تتكرر، والبيانات المشتركة لا تصنع استقرارًا إذا بقيت أسباب القلق قائمة. عند هذه النقطة، يبدأ الرأي العام—بل وحتى بعض صناع القرار—في النظر إلى الخطاب بوصفه محاولة لإدارة الصورة أكثر من كونه انعكاسًا لتحول فعلي.

وهذا ما يفسر لماذا تُقابل بعض المبادرات الإيرانية بحذر خليجي واضح، حتى عندما تبدو في ظاهرها إيجابية. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بمحتوى المبادرة، بل بسؤال أعمق: هل تعبّر هذه المبادرة عن تغيير حقيقي، أم أنها جزء من دورة دبلوماسية تتكرر دون نتائج مختلفة؟

في السياسة، الذاكرة عامل حاسم.

الدول لا تتعامل مع كل حدث بمعزل عن الماضي، بل تبني قراءتها الحالية على تراكم طويل من التجارب. ولهذا، فإن أي خطاب جديد يُقاس ليس فقط بما يقوله، بل بما سبقه.

وفي حالة العلاقة الخليجية الإيرانية، تبدو هذه الذاكرة مثقلة بدرجة تجعل أي محاولة لبناء الثقة بحاجة إلى أكثر من مجرد لغة هادئة أو تصريحات مطمئنة.

فالثقة، بخلاف الخطاب، لا تُعلن.
إنها تُبنى ببطء، عبر سلوك يمكن التنبؤ به، وعبر استقرار في المواقف، وعبر شعور بأن ما يُقال اليوم لن يتناقض مع ما سيحدث غدًا.

ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام الخطاب الإيراني ليس في تحسين مفرداته، بل في تقليص المسافة بينه وبين الواقع.

فالدبلوماسية تستطيع أن تؤخر الانفجار،
لكنها لا تستطيع وحدها أن تزيل أسباب التوتر.

وهنا، يصبح البروتوكول في موقف معقد. لأنه يُستخدم للحفاظ على الحد الأدنى من العلاقة، لكنه في الوقت نفسه يصبح معرضًا لفقدان تأثيره إذا لم يعد قادرًا على إقناع الأطراف بأن هناك تغيرًا فعليًا خلف الصورة.

وهذا ما يجعل بعض اللقاءات الرسمية تبدو وكأنها تدور داخل دائرة مغلقة:
لغة هادئة، صور متوازنة، تصريحات محسوبة…
لكن خلف كل ذلك يبقى السؤال نفسه حاضرًا:

هل تغيّر شيء فعلًا؟

في نهاية المطاف، لا تكمن قوة الخطاب في قدرته على التكرار، بل في قدرته على إنتاج واقع مختلف. وإذا بقي الواقع ثابتًا، فإن أكثر العبارات دبلوماسيةً تتحول مع الوقت إلى مجرد طقوس لغوية تفقد تأثيرها تدريجيًا.

ومن هنا، لا يعود التحدي في صياغة الرسالة، بل في جعلها قابلة للتصديق.

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .