العدد 6484
الخميس 16 يوليو 2026
لماذا يخطئ الجميع في فهم قصة الذكاء الاصطناعي؟
الخميس 16 يوليو 2026

 ثمة هوس قديم يسكن البشر كلما وقفوا أمام اختراع جديد، هوس يشبه عبادة النار الأولى قبل أن يفهم الإنسان طبيعتها. 
يخلط العقل الجمعي للمستثمرين، في كل مرة، بين قوة الفكرة وقيمتها السعرية اللحظية، فيحسبون أن الجموح في التقييم مرآة صادقة لعظمة الاختراع. 
وفي هذا المشهد المتكرر عبر التاريخ، يقف المستثمر المخضرم جيريمي جرانثام شاهدًا هادئًا وسط الضجيج، يقرأ ملامح الفقاعة الحالية بعين من عاصر فقاعات سبقتها وخرج منها بدروس لا تُنسى.
في فقاعة الدوت كوم، حذر جرانثام منها في وقت مبكر، فانتبه العالم لتحذيراته المتكررة اللاحقة.
فلسفة جرانثام لا تتهم الفقاعات بالخداع، بل تراها ثمرة أفكار عبقرية وصادقة تمامًا، ولدت من رحم الإبداع الحقيقي لا من رحم الاحتيال. 
هي أقرب إلى الشرارة الأولى التي يظن حولها البدائيون أنها ستضيء الكون فورًا، متناسين أنها تحتاج إلى حطب وزمن كي تتحول إلى دفء مستدام يُدفئ بيتًا بأكمله. 
تلك هي فجوة التوقيت التي يسقط فيها المستثمرون دومًا: المسافة الطويلة بين لحظة ولادة الفكرة ولحظة قدرتها على تسييل نفسها تجاريًّا، مسافة يقطعها الحماس في دقائق بينما يحتاجها الواقع سنوات.
وحين ننتقل من فلسفة الأفكار إلى لغة الأرقام، يظهر التناقض عاريًا بلا رتوش. 
عمالقة التقنية يضخون إنفاقًا رأسماليًّا مرعبًا في البنية التحتية والرقائق، وفي مقدمتها إنفيديا، بينما تعود العوائد الحقيقية ببطء خجول لا يواكب سرعة الضخ.
 يشبه المشهد ممرًّا ضيقًا تصطف فيه سبعة خيول جامحة، تجرّ خلفها المؤشرات العالمية نحو حافة لا يعرف أحد عمقها، في إشارة إلى الشركات السبع الكبرى التي باتت وزنها الثقيل يقرر مصير السوق بأكمله. 
طاقة استثمارية هائلة تبني بنية تحتية مذهلة، بينما لا يزال المستهلك يتلمس خطواته الأولى في فهم كيفية الاستفادة الفعلية من هذه الأداة، وتلك مفارقة يصعب على أي مؤشر مالي أن يخفيها طويلاً.
التاريخ يهمس بأن هذا الطريق سُلك من قبل. فقاعة الإنترنت في مطلع الألفية تركت خلفها شركات اختفت وأخرى تحولت إلى عمالقة يقود العالم اليوم.
 الانهيار المرتقب، إن جاء، فلن يكون كارثة تقضي على الذكاء الاصطناعي كفكرة، بل فطامًا ماليًّا صحيًّا ومخاضًا لا بد منه، تتخلص فيه السوق من الزبد الزائف لتبقى الشركات القادرة وحدها على تقديم حلول حقيقية ومستدامة. 
الخطيئة الكبرى لأسواق المال تكمن في استعجال الحصاد، في دفع ثمن المستقبل كاملاً اليوم وتجاهل دورة النضج الطبيعية التي لا تعرف الاختصارات.
وكما تدور الفصول الأربعة دون أن يملك أحد إيقافها، تدور دورة الاقتصاد بين وهج الابتكار ونضجه القاسي، بين مخاض الولادة وثمار الحصاد الحقيقي.
 من يفهم هذه الدورة لا يخاف من الفقاعة حين تنكمش، بل ينتظرها كما ينتظر الفلاح نهاية الشتاء.

 

كاتب مصري وخبير بالاقتصاد الرقمي

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية