للأماكن وجوهٌ متعددة؛ وجهٌ نراه في وضح النهار، ووجهٌ آخر لا يظهر إلا حين يُلقي الليلُ عباءته على الأرض، فتسكن الأصوات، وتستيقظ المخيلة.
وهكذا كانت العينُ العودة، أو كما اشتهرت بين الناس باسم عين الجن.
في النهار، كانت عينًا تنبض بالحياة؛ يرتادها المزارعون، ويقصدها الصغار والكبار للسباحة، وتنساب مياهها في السيبان لتروي النخيل والبساتين. أما إذا أقبل الليل، فإن المكان كله كان يتحول إلى عالمٍ آخر، يلفّه السكون، وتحيط به رهبةٌ لا يعرفها إلا من عاش تلك الأيام.
كان الظلام آنذاك مختلفًا عن ظلام اليوم. فلم تكن هناك أعمدة كهرباء، ولا مصابيح تنير الطرقات، بل كان الليل إذا أقبل ابتلع كل شيء، ولم يبقَ سوى ضوء القمر في لياليه المقمرة، أو وهج مصابيح الكيروسين الخافتة المتسلل من نوافذ البيوت.
وفي ذلك السكون العميق، كانت الأصوات تكتسب هيبةً خاصة؛ نقيق الضفادع يتردد بين النخيل، وطنين الناموس يملأ الأجواء، وخرير الماء يتواصل بلا انقطاع، حتى ليخيَّل إلى السامع أن العين تهمس بكلماتٍ لا يفهمها إلا الليل.
وكانت ظلال النخيل الباسقة تنعكس على صفحة الماء، فإذا هبَّ النسيم تحركت تلك الظلال، فبدت كأنها أشباحٌ تمشي في صمت، فتزداد رهبة المكان، ويقف المار مترددًا بين التقدم والعودة.
ولعل هذا الجو الغامض هو الذي جعل الناس ينسجون حول العين كثيرًا من الروايات الشعبية. فكان بعضهم يعتقد أن الجن يسكنونها، وأن أصوات الليل ليست إلا حديثهم، وأن كل حركةٍ في الماء تخفي وراءها سرًا. ولم تكن تلك الروايات سوى انعكاسٍ لطبيعة ذلك الزمان، حين كان الإنسان يفسر ما يجهله بما يرويه الموروث الشعبي، فيختلط الواقع بالخيال، وتصبح الحكاية جزءًا من ذاكرة القرية.
أما أنا، فلم أكن أسمع تلك القصص من الآخرين فحسب، بل كنت أعيشها بكل جوارحي.
كنت في الخامسة من عمري، وأسكن مع أسرتي في بيت العود (بيت العجيمي) الملاصق لمسجد سيد إسماعيل، وكانت نافذة غرفتنا تطل مباشرةً على العين. كنت أراها كل صباح، وأتابع حركتها طوال النهار، لكن ما إن يُقبل الليل حتى يتغير كل شيء.
كنت أقف خلف النافذة، أحدق في ذلك السواد الممتد، وأراقب صفحة الماء التي لا يظهر منها إلا انعكاس القمر، بينما تتراقص فوقها ظلال النخيل. ولم أكن يومها أملك من العمر ما يميز بين الحقيقة والخيال، فكانت كل قصة أسمعها عن العين تكبر في داخلي، حتى أصبحت أراها بعين طفلٍ امتلأت دهشةً وخوفًا في آنٍ واحد.
وكان الكبار يتناقلون فيما بينهم قصصًا كثيرة عن العين؛ فيقول بعضهم إن من يقترب منها ليلًا قد يسمع أصواتًا غريبة، ويقول آخرون إن في أعماقها أسرارًا لا يعلمها إلا الله. وكانت تلك الأحاديث، مهما اختلفت، تزيد المكان هيبةً في نفسي، وتجعلني أنظر إليه باحترامٍ ممزوجٍ بالرهبة.
ومع ذلك، لم يكن الخوف وحده هو الذي يجذبني إليها.
كان في العين سحرٌ لا يوصف؛ سحر الماء الجاري، وسكون الليل، ورائحة الطين المبتل، ونسيم النخيل، وأصوات الطبيعة التي أصبحت اليوم جزءًا من الماضي. كانت تلك البيئة تصنع عالمًا كاملًا لا يمكن أن يدرك جماله إلا من عاشه.
ومضت الأعوام…
كبر ذلك الطفل، واختفت العين، وتبدلت ملامح المكان، وجاءت الكهرباء، وأنارت الشوارع، وغابت تلك الظلمة التي كانت تنسج كل تلك الحكايات.
وعرفت، بعد أن كبرت، أن ما كنا نخشاه لم يكن إلا رهبة المكان، وسعة خيال الإنسان، وأن كثيرًا مما كان يُروى عن العين يدخل في إطار الموروث الشعبي الذي تناقلته الأجيال، لا أكثر.
لكن الحقيقة التي لم تتغير هي أن العين العودة كانت مدرسةً للحياة، وكتابًا مفتوحًا للذكريات، وقطعةً أصيلة من روح كرانة.
وكلما عدت بذاكرتي إلى تلك السنوات، أسمع خرير الماء كما كان، وأرى النخيل يلامس السماء، وأشم رائحة الأرض بعد أن يبتل ترابها، وأرى ذلك الطفل الصغير واقفًا عند النافذة، يراقب العين بعينين واسعتين، يخاف منها، ويحبها في الوقت نفسه.
لقد اندثرت العين، لكن صورتها لم تندثر.
وسكت خرير الماء، لكن صداه ما زال يتردد في أعماق الذاكرة.
وغابت ظلال النخيل عن ضفافها، لكنها ما زالت تلقي بظلالها على صفحات العمر.
رحم الله تلك الأيام… فقد كانت بسيطةً في تفاصيلها، عظيمةً في أثرها، جميلةً في ذكرياتها.
وما زلت، كلما أغمضت عيني، أرى عين العودة كما كانت؛ ماءً صافيًا، ونخيلًا باسقًا، وليلًا مهيبًا، وطفولةً بريئةً لا تزال تسكن القلب، وكأن الزمن لم يمضِ عليها يومًا واحدًا.
سلامٌ على عين العودة، يوم كانت منبعًا للماء، وملتقى لأهل القرية، ومسرحًا لحكايات الليل، وسلامٌ عليها يوم أصبحت ذكرى تسكن الوجدان، وتعيش في ذاكرة كل من عرفها وأحبها.
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |