العدد 6481
الإثنين 13 يوليو 2026
العين العودة (عين الجن) في كرانة… ذاكرةُ ماءٍ وحياة
الإثنين 13 يوليو 2026

سبق لي أن كتبتُ عن عين الجن، وها أنا أعود إليها في هذا المقال الثاني، لأنها ليست مجرد عين ماءٍ عادية، بل ذاكرةٌ نابضة لقرية كرانة، وشاهدٌ حيّ على جانبٍ مهم من تاريخها الاجتماعي والإنساني.

كانت تُعرف أيضًا باسم العين العودة، وسُمّيت بهذا الاسم لاتساع مساحتها؛ إذ كانت تمتد من الشرق إلى الغرب قرابة (150) مترًا، ومن الشمال إلى الجنوب نحو (100) متر، مما جعلها واحدةً من أكبر عيون القرية وأبرز معالمها، فلا يكاد يخفى موقعها على أحد.

أما اسم عين الجن، فقد ارتبط بما كان يتناقله بعض الأهالي في الزمن الذي سبق وصول الكهرباء، حين كانت ظلمة الليل تلف المكان، فتنتشر الروايات الشعبية التي تزعم أن الجن يسكنون العين. ويبدو أن هذه التسمية لم تكن سوى انعكاسٍ للموروث الشعبي وما شاع آنذاك من تصوراتٍ وخرافات، كانت تحيط بالأماكن الواسعة والعميقة والموحشة، فتضفي عليها شيئًا من الغموض والرهبة.

وحين أسترجع تلك الأيام، أجد أن العين العودة كانت أكثر من مجرد مصدرٍ للماء؛ فقد كانت متنفسًا للأهالي، ومقصدًا للصغار والكبار، يسبحون في مائها العذب، ويغسلون فيه ملابسهم، ويقضون حولها أوقاتًا جميلة، كما كانت ملتقىً اجتماعيًا تنبض فيه الحياة بروح الألفة والبساطة.

وفي جهتها الشرقية كان يقوم مبنى يطل على العين، يجتمع فيه أهل القرية لإعداد العريس قبل ليلة الزفاف، حيث يشارك عددٌ من شباب القرية في تجهيزه، ومن ذلك استعمال النورة لإزالة الشعر، وهي عادة اجتماعية كانت مألوفة في ذلك الزمن، وتعكس روح المشاركة والتكاتف التي امتاز بها المجتمع البحريني.

ومن الذكريات المؤلمة التي ارتبطت بالعين، حادثة المرحوم الحاج إبراهيم المسجن (أبو عبد الرسول)، الذي سقط من نخلةٍ كانت تطل على العين، ونُقل إلى مستشفى النعيم في حالةٍ حرجة. وقد زرته مع والدي، المرحوم الحاج حسن، لكن إرادة الله سبقت، فلم يمكث طويلًا حتى انتقل إلى رحمة الله تعالى. نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته.

كما تحتفظ الذاكرة بمشهدٍ جميل حين زار العين الفنانان الشقيقان عبدالمنعم البوسطة وعبدالكريم البوسطة، وهما من الرسامين المعروفين، حيث جلسا في الجهة الغربية من العين، خلف بيت المرحوم الحاج عبدالله المنامي، ورسم كلٌّ منهما لوحةً توثق جمال المكان وسكونه، لتبقى تلك اللوحات شاهدًا فنيًا على معلمٍ من معالم كرانة التي اندثرت.

ومن جميل المصادفات أنني، أثناء عملي في التدريس عام 1992م بمدرسة الشيخ عبدالعزيز آل خليفة في العدلية، كان الأستاذ عبدالكريم البوسطة زميلي في المدرسة. وحين ذكّرته بزيارته القديمة إلى عين الجن برفقة أخيه، عاد بذاكرته إلى تلك الأيام، واستحضر تفاصيلها بكل وضوح، وكأن الزمن لم يمضِ عليها.

وهكذا تبقى العين العودة، أو عين الجن، صفحةً مضيئة من ذاكرة كرانة، تختزن قصص الناس، وتحفظ ملامح الزمن الجميل، وتروي للأجيال حكاية قريةٍ عاشت على الماء، وازدهرت بالمحبة، وتكاتف أهلها، وبقيت ذكرياتها حيّةً في القلوب مهما تعاقبت السنين.

ولعل من أعظم نعم الله عليّ أنني عشت ثلاثة أجيال في كرانة؛ جيل الأجداد، وجيل الآباء، وجيل الأبناء. لكل جيلٍ ملامحه، ولكل مرحلةٍ طعمها، ولكل زمنٍ حكاياته التي لا تُنسى.

عشت مع الأجداد زمن البساطة، حين كانت القلوب أنقى، والأبواب مفتوحة، والناس أسرةً واحدة، يتقاسمون الأفراح والأتراح، ويقفون مع بعضهم في كل مناسبة. ثم عاصرت جيل الآباء، جيل البناء والعمل والتحولات التي نقلت كرانة من مرحلةٍ إلى أخرى، مع محافظته على أصالة القيم وجمال العلاقات الاجتماعية. أما جيل الأبناء، فقد شهدت فيه اتساع الآفاق، وتسارع التطور، وبروز الطموحات الجديدة، مع بقاء الانتماء إلى كرانة حاضرًا في النفوس.

إنها نعمةٌ عظيمة أن يمنّ الله على الإنسان بأن يرى تعاقب الأجيال أمام عينيه، فيدرك كيف تتغير الحياة، بينما تبقى القيم الأصيلة، والمحبة، والوفاء للمكان، هي الإرث الحقيقي الذي ينتقل من الآباء إلى الأبناء.

فالأماكن قد تتغير، والعيون قد تندثر، والنخيل قد يقل، لكن التاريخ لا يموت ما دام هناك من يحفظه، ويرويه، ويكتبه للأجيال القادمة. فالقرى العريقة لا تحفظها حجارتها وحدها، بل تحفظها ذاكرة أبنائها، ومن يكتب تاريخها بصدقٍ ومحبة، لتظل حاضرةً في وجدان الأجيال، ومصدر فخرٍ واعتزازٍ لكل من ينتمي إليها.

الحمد لله على نعمة العمر، والحمد لله على نعمة كرانة، والحمد لله على ذكرياتٍ لا تشيخ، مهما مضت الأعوام، ومهما تبدلت الوجوه والأماكن.

وللحديث بقية عن العين العودة… عين الجن

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .