خرافة هي حديث متخيَّل فيه كذب مُستمْلحُ، وما أُجري على كل ما يكذبونه من الأحاديث، وعلى كل ما يُتعجب منه، وأسم الخَرَف يُطلق كذلك على فَسَادِ العقلِ مِنْ الكِبَرِ، فقالوا؛ خَرِفَ الرَّجُلُ، يَخْرَفُ خَرَفًا، فهو خَرِفٌ، والأنثى خَرِفَةٌ إذا أَخْرفها الهَرَمُ. هكذا ذكرها ابن منظور في لسان العرب، وهي كذلك عند الواصفين نوع من أنواع أدب مسامرة شعبي، فيه خيال وغرابة وإدهاش جاذب، لا تخلو سرديتها من خوارق لا تقع في واقع، ومعها حكايات كائنات أسطورية، ومثلها مذكوره كما أشار المسعودي في كتابه مروج الذهب عن كتاب ألف ليلة وليلة والسندباد.
تراث العرب كغيره، الخرافة عندهم موروث عِبر أجيال، ومسماها دلّ عليه بيت شعر أشار لها؛
حَيَاةٌ، ثم مَوْتٌ، ثم بَعْثٌ
حديثُ خرافةٍ يا أَمَّ عمروٍ
لفظة خرافة الواردة في هذا البيت، هي اسمُ رجُلٍ من بني عُذْرة، أو من جُهَيْنة، اخْتَطَفْتهُ الجِنُّ، ثم رجع إلى قومه؛ فكان يُحدِّث بأحاديثَ مما رأى، يَعْجبُ منها الناسُ فكذَّبوه؛ فجرى على ألْسنِ الناس، وكانت العربُ إذا سمعت ما لا أصل له، قالت؛ حديث خرافة أو أمحلُ من حديث خرافة، ثم كثُر في كلامهم، حتى قالوا للأباطيل خرافات، كما قال الشاعر؛
ودَعْ حديثَ مَنْ غدا خُرافةْ
فإنَّه للعقل أَيُّ آفة
الخرافات هي كذلك ممتده في تراث الأمم تترسب في عقل باطن، ويتفاوت إنتشارها وأثرها وفْق تَحضُرها، وتطور وعي أفرادها. وتسود في أزمنة الجهل، ولكثرما تمثل حضورها في مشاهد طقوس أو شعائر من إبتداع بشر يُعبر عن مرآةٍ نفسيةٍ، ومنها يُقاس قرب وبُعْد حالهم في مراتب سلم النهوض الإنساني.
الخرافة والأسطورَة
يتدخلان في معنى ودلالة تبادُليّة، لأن في كليهما قصة يسودُها خيال، وتَبرُزُ فيهما قوى الطبيعة، في صُوَرِ كائناتٍ حيَّةٍ، وسَرْدٍ مُبتكر لا يتوافق مع حقيق ملموس، وقد تكون أحيانا وسيلة في تأويل ما صعُب فهمه من نُظُمِ كونيةِ وماورائية. ولهذا أتخذ هذا السياق في دراسات تسمى علم الأساطير (الميثولوجيا)، وتُعنى فيها موروث قصص مرتبطة بآلهة وكون وأبطال في سرد خيالي مثلا؛
الإغريق لهم قصص عن الآلهة زيوس وأبطال خارقين مثل هرقل، والفراعنة قصص الآلهة إيزيس، وأوزوريس ورع، والفايكنج أساطير قصص أودين وثور.
أما العرب قبل الإسلام فقد عرفوا الخرافات والأساطير، كما عرفها غيرهم من شعوب العالم القديم. إذ أشار القرآن الكريم ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، وكذلك قوله تعالى؛﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾.
ومن الخرافات ما أورده المسعودي في كتابه مروج الذهب عن النسناس، وهو كما يُعرّفه كتاب لسان العرب لأبن منظور أنه دابة في عِداد الوحش، تُصاد وتُؤكل، وهي على شكل الإنسان بعين واحدة ورِجل ويَدٍ، تتكلم مثل الإنسان، لهذا سمَّت العربُ هذا النوع من المخلوقات بالشقِّ، وفي هذا يقول الألوسي في مؤلفه بلوغ الأرب؛ كان الشِق بن أنمار ابن نزار هذا، شقَّ إنسان؛له يدٌ واحدة، ورِجلٌ واحدة، وعينٌ واحدة. غير أن بعضهم وصف النسناس على أنه تركيبٌ بين الشقِ والإنسان، على شكل قرد، وأنه ربما قال الشعر.
وهنالك من الخرافات أن الإنسان قادرا على التخلُّقِ كيفما شاء؛ ذكر ذلك المقريزي في كتابه الطرفة الغريبة في أخبار وادي حضرموت العجيبة؛"أنَّ بوادي حضرموت، بالقرب منه، على مسيرة يومين إلى نجْدٍ، قومٌ يُقال لهم الصيعر، يسكنون القفر في أودية؛ وفرقةٌ منهم تنقلبُ ذئابا ضارية أيام القحط؛ وإذا أراد أحدهم أن يخرج من مِسلاخِ الذئب إلى هيئة الإنسان وصورته، تمرَّغ بالأرض؛ وإذا به يرجع بشراً سويّاً. وقال؛ إن في وادي حضرموت، قبائل منها البراوجة والجلاهية والنباثنة، وآل أبي مالك، وآل مسلم، وآل ابن ربيع، وآل أبي الحشرج، وجميع هذه القبائل لها أحوالٌ عجيبةٌ؛ منها، أنَّ الرجل منهم يمر في الهواء ليلا من حضرموت، وقد انقلب في هيئة طائرٍ كالرخمةِ أو الحَدَأَةِ، حتى يبلغ أرض الهند”.
وعند العرب كذلك ما يُسمى السانح والبارح، والسانح أو السنيح من الطير أو الوحش، هو ما يمرُّ عن يمين المرءِ؛ أما البارح، فهو ما يمرُّ عن يساره. وكان من عادة العرب، أنهم إذا خرجوا لأمرٍ ما، انتظروا حتى يمرَّ بهم طيرٌ أو وحْشٌ؛ فإذا مرَّ عن يمينهم تفاءلوا، وإذا مرَّ عن يسارهم تشاءموا؛ ومن ذلك قول عنترة:
طرِبْتَ وهاجتْك الظِّباءُ السوانحُ
غداةَ غدت منها سنيحٌ وبارح.
وبالمثل خرافة الغول الذي يرد في حكايات طريفة ماثلةً في مخزون شعبي، حيث يُزعم أن الغول أسمٌ لكلِّ شيء من الجنِّ، يعرضُ للسُّفَّار، ويتلوَّنُ في ضروب الصُوَر والثياب، ذكرًا كان أو أنثى، إلّا أنَّ كلامهم على أنه أنثى”، وفي تلَوُّن الغول، يقول كعب بن زهير، في قصيدته “بانت سعاد”:
فما تدومُ على حالٍ تكونُ بها
كما تلَوَّنُ في أثوابها الغُولُ
الخرافة هي تراث بشري أخذ حيّز وتبلور عِبر الزمن، وكذلك هي مألوف مُستملح عند الأمم، لها رمزية معنوية، وسردية فيها تاريخ وأفتراض مُتوَهَّم، وأحياناً الخرافة ملاذ نفسي ومجاز من غوائل وتهويمات تعوض ضعف ونقص، وتجسِّدُ طموحات وتمنيات إنسان ولو في عالم الخيال.
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |