غادر عالم الكيمياء المُبَرّز الحائز على جائزة الملك فيصل في العام 2015 وجائزة نوبل للعام 2025 عمر ياغي، كرسي الاستاذية بجامعة كاليفورنيا في بيركلي هذا الشهر للانتقال أستاذًا متفرغًا في جامعة تسينغوا (Tsinghua University) في العاصمة الصينية بكين.
ما إن سمعت الخبر حتى ألحّ علي سؤال: لماذا لم نستقطبه ليأتي إلى السعودية؟ وللإجابة عن جانب من السؤال فمهم معرفة لماذا غادر جامعته التي أحب في أمريكا والتي حقق لها ومعها نجاحات عالمية باهرة. مما رشح، فقد جاء قرار البروفيسور ياغي بالمغادرة نتيجة عوامل عدة تمزج بين توفر فرص علمية غير مسبوقة في الصين وتحديات تواجه بيئة البحث العلمي الحالية في الولايات المتحدة، فمهمة د.ياغي في الصين تأسيس وقيادة معهد بحثي جديد يركز على استخدام الذكاء الاصطناعي في الكيمياء وعلوم المواد، بهدف تسريع اكتشاف وتصنيع مواد متقدمة جديدة لتجاوز بطء طرق “التجربة والخطأ” التقليدية. هذا ما اعتبره د.ياغي فرصةً “للقيام بالعلم بطاقة وكثافة وطموح أكبر من أي وقت مضى”، هذا من جانب ذهابه إلى الصين.
أما ما دفعه إلى ترك جامعته بيركلي، فهي أزمة تمويل الأبحاث، فقد أعرب ياغي صراحةً عن إحباطه من التخفيضات الحكومية في المنح البحثية والدعم المالي للعلوم في الولايات المتحدة، واصفًا بيئة البحث الحالية هناك بأنها “غير مشجعة”، بعد أن تقلص التمويل الذي يعتمد عليه الأكاديميون، ومنتقدًا بطء النظام العلمي الأمريكي في تبني “ثورة الذكاء الاصطناعي” في مجال الكيمياء بالسرعة الكافية، معتبرًا أن الانخراط مع نماذج الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارًا ثانويًا، بل هو “مسألة بقاء” للأنظمة البحثية المتقدمة لكي تحافظ على ريادتها.
لا بد من التنبيه إلى أن هذه الخطوة لم تكن وليدة اللحظة، فقد ارتبط ياغي بعلاقات قوية مع مؤسسات صينية، حيث شغل منصب أستاذ فخري في جامعة تسينغوا منذ العام 2022، وانضم كعضو أجنبي للأكاديمية الصينية للعلوم في 2025، والأهم لما هو مقدم عليه أن قرابة نصف الباحثين الذين دربهم خلال فترة عمله في بيركلي -البالغ عددهم نحو 200 باحث- هم من الجنسية الصينية، مما يوفر له شبكة مواهب أكاديمية جاهزة لدعم فريقه الجديد فور وصوله إلى بكين. الآن، لماذا لم يأتِ د.ياغي إلى السعودية، التي لها أجندة طموحة تتجسد في استراتيجيتها الوطنية للصناعة (إحدى استراتيجيات رؤية السعودية 2030) وتعول كثيرًا على مستهدفات في صناعات تقنية ومتقدمة ترتبط بالمواد جديدة والكيمياء وذكاء الاصطناعي تساندها كيانات من الوزن الثقيل من “أرامكو” إلى “سابك” إلى “معادن” إلى “هيومين” إلى مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية إلى “كاوست” وبقية الجامعات السعودية الرئيسة؟ يمكن الزعم أنه لو تم ربط هذه الكيانات الخمسة في “تحالف بحثي وصناعي” موجه، لتشكلت بيئة متكاملة تتفوق في جوانب عديدة على ما سيجده عمر ياغي في الصين، ولحققت توافقًا مثاليًا مع أولويات رؤية السعودية 2030، فأجندة د.ياغي البحثية (المواد المتقدمة، والتقاط الكربون، وحصاد المياه من هواء الصحراء، وتسريع الاكتشاف الكيميائي بالذكاء الاصطناعي) تبدو كأنها صُممت خصيصًا لتلبية التحديات الجغرافية والاقتصادية للسعودية، وبتحديد أكبر، تتقاطع أبحاثه مع هذه المنظومة:
1. “هيومين” (Heumain).. محرك الذكاء الاصطناعي: السبب الرئيس لمغادرة ياغي هو رغبته في دمج الذكاء الاصطناعي بالكيمياء لتسريع اكتشاف المواد، وشركة “هيومين” التي أسسها صندوق الاستثمارات العامة لقيادة قطاع الذكاء الاصطناعي، قادرة على توفير القوة الحاسوبية الهائلة والبنية التحتية اللازمة لنمذجة الملايين من المركبات الكيميائية (MOFs) في ثوانٍ. هذا التقاطع ينقل أبحاث ياغي من وتيرة المختبرات التقليدية إلى سرعة الحوسبة المتقدمة.
2. “أرامكو” و “سابك”.. منصات التوسع الصناعي: أكبر تحدٍ يواجه أي ابتكار كيميائي هو تحويله من “غرامات” في المختبر إلى “أطنان” تجارية، فـ “أرامكو” تبحث بلا هوادة عن تقنيات “التقاط الكربون وتخزينه واستخدامه” (CCUS) لتحقيق الحياد الصفري. الهياكل العضوية المعدنية (MOFs) التي يطورها ياغي تُعد من أفضل المواد عالميًا لالتقاط ثاني أكسيد الكربون بكفاءة، أما “سابك” فتقود التحول نحو الكيماويات المتخصصة لدعم الاستراتيجية الوطنية للصناعة، وأبحاث ياغي تفتح خطوط إنتاج لمواد متقدمة تُستخدم في تنقية الغازات، وتخزين الهيدروجين النظيف، والبطاريات المتقدمة.
3. “كاوست” و “كاكست”.. البنية التحتية والمواءمة الوطنية: “كاوست” (KAUST) تمتلك بالفعل واحدة من أفضل البنيات التحتية عالميًا في علوم المواد وعلوم الحوسبة. وجود قيادة علمية بوزن د.ياغي كان سيكمل هذه البيئة لتصبح المركز الأول عالميًا بلا منازع في هذا التخصص. و “كاكست” (KACST) تضمن توجيه هذا الجهد العلمي لحل التحديات الوطنية المباشرة ضمن استراتيجية البحث والتطوير. تقنية ياغي لـ “حصاد المياه من الهواء شديد الجفاف” باستخدام الطاقة الشمسية تتطابق تمامًا مع أولويات الأمن المائي السعودي.
إذًا، لماذا لم يحدث هذا الالتقاء؟ ولماذا لم يأتِ د.ياغي؟ على الرغم من أن الاستراتيجية الوطنية للبحث والتطوير والابتكار تركز بشكل صريح على “استدامة البيئة والاحتياجات الأساسية” و “طاقة المستقبل”، إلا أن جذب قامة استثنائية مثل ياغي يتطلب ما هو أبعد من مجرد وجود مكونات قوية متفرقة؛ إنه يتطلب “تجميع” هذه القدرات في هيكل تنظيمي واحد ومرن، فالصين عرضت على ياغي معهدًا جاهزًا ومخصصًا حصريًا له يجمع بين الكيمياء والذكاء الاصطناعي، مدعومًا بشبكة جاهزة من مئات الباحثين الصينيين الذين تتلمذوا على يده سابقًا، مما يجنبه عبء بناء منظومة جديدة من الصفر أو التنسيق بين جهات مستقلة عدة.
سعوديًا، تمثل المنظومة الخماسية المقترحة “خريطة طريق” دقيقة لكيفية صناعة بيئة ابتكار خارقة. لو تم تأطير هذه الكيانات (بيانات هيومين، تمويل ومصانع “أرامكو”/”سابك”، ومختبرات “كاوست”/”كاكست”) في تحالف استراتيجي واحد، لكانت السعودية الوجهة الأكثر تكاملًا لابتكارات ياغي، ولقدمت نموذجًا عالميًا غير مسبوق في تحويل الأبحاث المعقدة إلى اقتصاد صناعي ملموس.
المغزى: علينا الاستعداد بتوليف منظومة بيئية متكاملة، حتى لو عمل عليها د.ياغي عن بعد أو وقتًا جزئيًا بمساندة من فريق محلي متمكن وتمويل محلي سخي.