العدد 6480
الأحد 12 يوليو 2026
السياسة حين تتغلب على منطق العنف
الأحد 12 يوليو 2026

في تصوري أن النظام الإيراني ارتكب واحدًا من أكبر وأفدح أخطائه عندما أقدم، قبل أيام قليلة، على استهداف بعض السفن التي عبرت مضيق هرمز من خلال الممر الملاحي المحاذي لساحل سلطنة عُمان، ثم عاد مرة أخرى إلى سياسة الاعتداءات المسلحة والتهديد بإغلاق المضيق، مخالفًا بذلك روح وبنود مذكرة التفاهم التي توصل إليها مع الولايات المتحدة بوساطة قطرية باكستانية.
لقد أعاد هذا التصرف طرح تساؤلات مشروعة عن مدى استعداد النظام الإيراني للتعامل مع فرصة التسوية بمنطق جديد، بدل العودة إلى استخدام أمن الملاحة وحرية مرور الطاقة في الخليج العربي كوسيلة ضغط وابتزاز، ليس فقط تجاه دول المنطقة، وإنما تجاه الاقتصاد العالمي بأكمله.
وكانت حكومات وشعوب دول الخليج العربية، مثلها مثل الكثير من دول العالم، تأمل أن تصمد التسوية التي تضمنتها مذكرة التفاهم، وأن تفتح بابًا جديدًا لخفض التوتر، رغم ما أحاط بها منذ البداية من تحفظات وتساؤلات بشأن ما اعتبره البعض مكاسب حصل عليها النظام الإيراني بعد مواجهة عسكرية قاسية.
غير أن تأييد منطق التسوية لا يعني تجاهل الأخطاء، كما أن اختيار طريق السياسة لا يعني مكافأة السياسات التي تسببت في الأزمات. فنجاح أي اتفاق لا يعتمد فقط على حكمة الطرف الذي يمد يده لإنهاء المواجهة، بل يعتمد بالدرجة نفسها على قدرة الطرف الآخر على قراءة اللحظة التاريخية والتصرف بمسؤولية.
فعندما اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في نهاية شهر فبراير الماضي، بدا واضحًا أن هناك من راهن على أن الضربات العسكرية المكثفة وما صاحبها من استهداف لقيادات ومرافق استراتيجية ستؤدي إلى انهيار سريع للنظام الإيراني.
غير أن التاريخ أثبت مرارًا أن حسابات الحروب تختلف عن حسابات السياسة، وأن الشعوب، مهما بلغت درجة تذمرها من أوضاعها الداخلية، تميل غالبًا إلى الالتفاف حول دولها عندما تشعر بوجود تهديد خارجي. فالأنظمة لا تسقط عادة بفعل الضغوط الخارجية وحدها، بل عندما تفقد من الداخل أسباب بقائها.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رغم أسلوبه السياسي المثير للجدل، بالانتقال من المواجهة إلى التسوية. فقد رأى منتقدوه في الاتفاق مكافأة للنظام الإيراني في لحظة ضعف، بينما رأى آخرون أنه كان محاولة واقعية لمنع المنطقة من الانزلاق إلى مرحلة أكثر خطورة.
فقد وصلت إيران، بعد عقود من العقوبات والعزلة والتوترات الإقليمية واستنزاف الموارد في مشاريع النفوذ الخارجي، إلى مرحلة صعبة اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا. ثم جاءت المواجهات العسكرية الأخيرة وما رافقها من خسائر لتزيد حجم الضغوط وتجعل استمرار التصعيد خطرًا على إيران وعلى المنطقة بأسرها.
ومن هنا تبرز أهمية السياسة. فليس كل اتفاق مع خصم يمر بمرحلة ضعف يعد مكافأة له، وليس كل فرصة تمنح لطرف متعثر تعني قبول سياساته السابقة. ففي أحيان كثيرة تكون التسوية وسيلة لمنع انهيار شامل أو فوضى تكون نتائجها أكثر خطورة من نتائج الحرب ذاتها.
لقد أدركت القوى الكبرى عبر تجارب التاريخ أن الانتصار العسكري وحده لا يصنع السلام. فالسلام الحقيقي يبدأ عندما تتحول نتائج القوة إلى ترتيبات سياسية قابلة للاستمرار، لا إلى أدوات للإذلال والانتقام.
ولعل التجربة الألمانية بعد الحرب العالمية الأولى تمثل أحد أبرز الدروس في هذا المجال. فقد فرضت معاهدة فرساي عام 1919 شروطًا قاسية وتعويضات مرهقة على ألمانيا المهزومة، وتركت لدى قطاعات واسعة من الشعب الألماني شعورًا عميقًا بالإهانة، وهي المشاعر التي استطاع أدولف هتلر لاحقًا استغلالها لبناء مشروع سياسي متطرف قاد العالم إلى حرب أكثر دمارًا.
ولم يكن الدرس أن ألمانيا لم تكن مسؤولة عن نتائج الحرب، بل أن تحويل الهزيمة إلى إذلال دائم قد يزرع بذور صراع جديد بدل أن يؤسس لسلام مستقر.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الاتفاق مع إيران. فالهدف لم يكن إنقاذ مشروع سياسي معين أو منح شرعية مجانية لأي طرف، بل إعطاء فرصة للانتقال من منطق المواجهة إلى منطق السياسة. ولكن هذه الفرصة تفرض على النظام الإيراني مسؤولية إثبات أنه قادر على التخلي عن أدوات التهديد والابتزاز، واحترام أمن جيرانه وحرية الملاحة والقواعد التي تحكم العلاقات الدولية.
إن التاريخ لا يذكر فقط من انتصر في الحروب، بل يذكر أيضًا من امتلك الحكمة الكافية لمنع اندلاع الحرب التالية. والتاريخ يعلمنا أن الحكمة السياسية لا تكمن دائمًا في استخدام أقصى درجات القوة، بل في معرفة اللحظة المناسبة للتوقف. لكنه يعلمنا أيضًا أن الفرص التي تمنحها السياسة لا تبقى مفتوحة إلى الأبد إذا أسيء استخدامها.
ولذلك سيبقى الحكم النهائي على هذه التسوية مرهونًا بما ستكشفه الأيام المقبلة؛ فإما أن تتحول إلى نموذج لانتصار البراغماتية على الانتقام، أو تتحول إلى فرصة أخرى ضاعت لأن طرفًا لم يدرك أن السلام يحتاج إلى شجاعة لا تقل عن شجاعة خوض الحروب.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .