العدد 6473
الأحد 05 يوليو 2026
بين القوة الحقيقية والإحساس بالضعف
الأحد 05 يوليو 2026

لماذا يتجرأ النظام الإيراني على ابتزازنا والاعتداء علينا؟ هل شجعه على ذلك إحساسنا بالضعف وبأنه أقوى منا؟ هذا التساؤل جرت مناقشته في أحد اللقاءات التي جمعتني أخيرًا بعدد من الأشقاء الخليجيين، وهو ما حدا بي إلى كتابة هذا المقال. 
فليست كل الهزائم عسكرية، وليست كل الانتصارات تُحسم في ميادين القتال، فكم من أمة امتلكت من عناصر القوة ما يجعلها قادرة على حماية مصالحها، لكنها خسرت؛ لأنها أقنعت نفسها بأنها أضعف مما هي عليه. والحروب النفسية، عبر التاريخ، كانت دائمًا تمهيدًا للحروب العسكرية؛ فمن ينجح في زعزعة ثقة خصمه بنفسه يحقق نصف انتصاره قبل إطلاق الرصاصة الأولى.
ولعل هذا ما يدعونا اليوم إلى مراجعة نظرتنا إلى أنفسنا في دول مجلس التعاون الخليجي، فمنذ سنوات طويلة، ربما ترسخ في وعينا، بصورة أو بأخرى، إحساس مبالغ فيه بأننا الطرف الأضعف في مواجهة التهديدات القادمة من الضفة الشرقية للخليج العربي، حتى أصبح هذا الإحساس، في بعض الأحيان، أقوى من الحقائق نفسها.
ولا يقتصر الأمر على العلاقة مع إيران، بل يمتد إلى تجربة عربية أوسع، فقد سمحنا، لعقود، للحرب النفسية التي شنتها علينا الحركة الصهيونية بأن تؤثر في وعينا، حتى أصبحنا نتعامل مع كثير من التهديدات باعتبارها حقائق لا تقبل النقاش. ولعل هزيمة العام 1967 لم تكن هزيمة عسكرية فحسب، بل كانت أيضًا هزيمة في الثقة بالنفس، سبقتها سنوات من التهويل والتخويف من “إسرائيل الكبرى” وسوء تقدير موازين القوى.
ومن هذا المنطلق، فإنني أؤكد مرة أخرى أنني من المؤمنين بالسلام، والداعين إلى الحوار والتعاون مع إيران الشعب، ذلك الشعب الجار الذي تربطنا به روابط الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، غير أن هذا الموقف لا يمنع من التمييز بين الشعب الإيراني والنظام الحاكم، الذي يبدو أنه وجد في تصدير الأزمات وإدامة التوتر وسيلة لتعزيز بقائه وإشغال الداخل الإيراني عن أزماته المتراكمة.
والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا بكل صراحة هو: هل نحن حقًا أضعف من إيران حتى نتعامل معها بهذا القدر من القلق؟ أم أن المشكلة تكمن في الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا؟
إن المقارنة الموضوعية بين دول مجلس التعاون وإيران تكشف عن صورة مختلفة تمامًا، فمن الناحية الاجتماعية تتمتع دول المجلس بدرجة عالية من الاستقرار والتجانس، بينما تضم إيران قوميات وأعراقًا متعددة ومتنافرة وتواجه تحديات داخلية معقدة. كما أن مستويات المعيشة في دول الخليج تُعد من بين الأعلى عالميًا، في حين تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن ما بين ثلث الإيرانيين ونحو نصفهم يعيشون تحت خط الفقر أو بالقرب منه، نتيجة العقوبات وتراجع القوة الشرائية واتساع الفجوة بين الطبقات.
أما اقتصاديًا فإن الصورة أكثر وضوحًا، فوفقًا لأحدث تقديرات المؤسسات الدولية، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لدول مجلس التعاون نحو 2.5 تريليون دولار، مقابل ما يقارب 300 مليار دولار لإيران، أي أن الاقتصاد الخليجي يفوق نظيره الإيراني بنحو ثمانية أضعاف. وهذه ليست مجرد أرقام، بل تعكس قدرة أكبر على الاستثمار، والتنمية، والإنفاق على التعليم والصحة والبنية التحتية، وبناء القوة الوطنية الشاملة.
وعلى المستوى الصناعي، نجحت دول مجلس التعاون خلال العقود الأخيرة في الانتقال من الاقتصادات الريعية إلى بناء قواعد إنتاجية متطورة في قطاعات البتروكيماويات والألمنيوم والطاقة والخدمات اللوجستية والصناعات العسكرية والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، بل إن بعض الشركات الخليجية أصبحت تطور تقنياتها الصناعية الخاصة وتنافس عالميًا، في حين لا تزال الصناعة الإيرانية تعاني آثار العقوبات وصعوبة الوصول إلى التكنولوجيا الحديثة، وهو ما انعكس على قدرتها الإنتاجية والتنافسية.
ومن أبرز عناصر القوة الخليجية أيضًا اتساع شبكة العلاقات الدولية وعمق الصداقات والتحالفات الاستراتيجية، فقد استطاعت دول المجلس، عبر عقود من السياسة المتوازنة، أن تبني شراكات وثيقة مع الولايات المتحدة وأوروبا وبريطانيا وفرنسا، وأن توسع في الوقت نفسه علاقاتها مع الصين والهند واليابان والباكستان وكوريا الجنوبية وغيرها من القوى الدولية. كما أصبحت شريكًا موثوقًا في أمن الطاقة واستقرار التجارة العالمية. وفي المقابل، لا تزال إيران تواجه عزلة سياسية واقتصادية واسعة، حدّت من قدرتها على بناء شبكة مماثلة من العلاقات والتحالفات.
أما عسكريًا، فإن الصورة أكثر توازنًا مما يتصور كثيرون. صحيح أن إيران تتفوق عدديًا في حجم قواتها البشرية، ولا تزال تمتلك ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلا أن دول مجلس التعاون تتفوق بوضوح في حجم الإنفاق الدفاعي، ونوعية التسليح، ومنظومات القيادة والسيطرة، والقوات الجوية والدفاع الجوي، والقدرات البحرية، فضلًا عن جاهزية قواتها وشراكاتها الدفاعية مع القوى الكبرى. وفي عالم اليوم، لم تعد القوة العسكرية تُقاس بعدد الجنود وحده، وإنما بكفاءة التكنولوجيا، وسرعة الاستجابة، والتكامل بين القدرات العسكرية والاستخباراتية واللوجستية.
ولا يعني كل ما سبق الدعوة إلى المواجهة أو التقليل من قدرات الآخرين، فإيران دولة كبيرة لا يجوز الاستهانة بها، كما أن أمن الخليج واستقرار المنطقة لن يتحققا إلا بالحوار والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، غير أن الحوار الحقيقي لا يقوم على شعور طرف بالضعف وطرف آخر بالتفوق، بل يقوم على التوازن والثقة بالنفس والاحترام المتبادل.
إن الرسالة التي يجب تأكيدها ليست أن دول الخليج تبحث عن خصومة مع أحد، وإنما أنها تملك من عناصر القوة ما يجعلها قادرة على حماية مصالحها إذا أحسنت توظيف هذه العناصر، فالقوة لا تُقاس بالموارد وحدها، بل بالإرادة، وحسن إدارة الإمكانات، ووحدة الصف. نعم، وحدة الصف.
ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم ليس نقص الثروة ولا محدودية السكان، وإنما أن تفقد ثقتها بنفسها، فعندما نؤمن بحقيقة ما نملكه من مقومات اقتصادية وبشرية وعلمية وعسكرية، ونتعامل مع أمننا باعتباره مسؤولية خليجية مشتركة، فإننا نغلق الباب أمام كل من يراهن على ترددنا أو يسعى إلى ابتزازنا، فالردع يبدأ من الثقة بالنفس، واحترام الآخرين لنا يبدأ، قبل كل شيء، من احترامنا نحن لأنفسنا.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية