العدد 6473
الأحد 05 يوليو 2026
دحض اتهام المسلمين العرب بحرقهم مكتبة الإسكندرية
الأحد 05 يوليو 2026

تأكد بما لا يدعو للشك أن كذبة حرق مكتبة الإسكندرية في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وبأمرٍ منه، قصة مختلقة لا أساس لها من الصحة. وهذه الحادثة المزورة على الرغم من خطورتها لم تنل نصيبها من المؤرخين والمؤلفين العرب والمسلمين للدفاع عن بيضة الإسلام، وتلك من الأمور الغريبة والعجيبة، حيث تجاهل المؤرخون العرب دحض هذه الكذبة المزورة وما حوته من معلومات مضللة، وجاء الدفاع من كبار المؤرخين الأوروبيين الذين سأتطرق إليهم مع ذكر براهينهم الجلية.
قمت في العام 1997م بإعداد بحث عن المكتبات في العصور الإسلامية أخذ مني وقتًا طويلًا، وثقت فيه بالأدلة الدامغة التي تؤكد بجلاء عدم حرق المسلمين مكتبة الإسكندرية بأمرٍ من الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، التي روج لها إعداء الإسلام لتشويه الدين الإسلامي وقادته الكبار.
وجدت أثناء بحثي أن بعض المؤرخين العرب المعروفين ومن بينهم جورجي زيدان انطلت عليه هذه الفرية، فذكرها في كتابه “تاريخ التمدن الإسلامي” الصادر في العام 1967م، نقلًا عن كتاب “تاريخ مختصر الدول” لأبي الفرج المالطي، وهو نصراني متشدد وحاقد على الإسلام والمسلمين لفق تهمة من خياله لا وجود لها في الواقع، جاء فيها أن يحيى النحوي وهو فيلسوف وعالم مسيحي دخل على عمرو بن العاص بعد فتحه مدينة الإسكندرية فأكرمه وقربه لعلمه، وسمع من ألفاظه الفلسفة التي لم تكن معروفة لدى العرب، وخاطب عمرو بن العاص طالبًا منه تسليمه جميع كتب الحكمة التي في مكتبة الإسكندرية، وتبقى بقية الكتب للمسلمين.
رد عمرو بن العاص قائلًا: “هذا ما لا يمكنني أن آمر به إلا بعد استئذان الخليفة عمر بن الخطاب”، فكتب عمرو بن العاص إلى الخليفة عمر بن الخطاب ذاكرًا طلب يحيى النحوي، فورد عليه كتاب من عمر بن الخطاب يقول فيه: “وأما الكتب التي ذكرتها فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنى، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليها، فتقدم بإعدامها”، فشرع عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الإسكندرية وإحراقها في مواقدها.
تلك تهمة عارية من الصحة، بل كذبة سمجة لتشويه الإسلام ورجاله العظام. ويزداد الأمر وضوحًا إذا ما عرفنا أن الذي اختلق وروج إشاعة حرق المسلسين مكتبة الإسكندرية من المؤرخين هو أبو الفرج المالطي الذي تم ذكره وكان أبوه يهوديًا ثم تنصر، فشب أبو الفرج المالطي على النصرانية وكان يختزن في قلبه حقدًا دفينًا على المسلمين وقادتهم، فلفق كذبة حرق المسلمين مكتبة الإسكندرية في كتاب ألفه وأطلق عليه “تاريخ مختصر الدول”.
قرأت الكثير عن سيرة الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وبصورة خاصة المتعلقة بأمور التوثيق، فتبين لي اهتمامه الشديد بعملية التوثيق قبل وأثناء خلافته، فهو الذي أشار على أبي بكر الصديق بجمع القرآن لئلا يذهب منه شيء بموت أهله، فجمع ما كان مدونًا عند الصحابة وسلمه إلى أبي بكر الصديق، فكيف برجل بذل جهدًا كبيرًا في المحافظة على القرآن الكريم بجمعه الصحف المدونة لدى أفراد من الصحابة أن يأمر بحرق كتب قد يحتاجها المسلمون في أمور دنياهم. ولو أن الخليفة عمر بن الخطاب كان كذلك لما حرص على جمع القرآن الكريم، واكتفى بأن يحفظ في صدور الرجال، غير أن جمعه للقرآن الكريم يدل دلالة واضحة من أنه يحافظ على النصوص مكتوبة كي لا يطالها النسيان أو التحريف على مر السنين.
ولم تتوقف جهود الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في التوثيق على جمع القرآن فقط، وإنما تعدى ذلك إلى جمع الشعر العربي بعد ظهور الإسلام حفظًا له من النسيان. ويذكر المؤرخ المشهور فؤاد سزكين في كتابه “تاريخ التراث العربي”، أن عمر بن الخطاب كتب إلى المغيرة بن شعبة طالبًا إليه أن يسأل الشعراء عما نظموه بعد ظهور الإسلام ليتم توثيقه.
وتؤكد تلك الخصال تفرد الخليفة عمر بن الخطاب بالتوثيق للمحافظة على القرآن الكريم وعلى التراث العربي من الضياع. وكانت جهوده في التوثيق موفقة وعلى درجة كبيرة من الأهمية.
دافع المؤرخون الأجانب من الغربيين عن عدم صحة حرق المسلمين مكتبة الإسكندرية بالبراهين الواضحة، وكان دفاعهم مقنعًا وفي غاية التميز والعقلانية، فقد ذكر المؤرخون الأجانب حقائق دامغة وموثقة لا يرقى إليها الشك، وهي براهين ناصعة لم أجدها في كتب العرب والمسلمين على كثرة بحثي عنها.
فقد رفض ألفريد بتلر المؤرخ وعالم الآثار الإنجليزي المشهور الذي تخصص في تاريخ مصر رفضًا باتًا في كتابه “فتح العرب لمصر” قصة حرق العرب لمكتبة الإسكندرية، واستند في ذلك إلى أن يحيى النحوي الذي طلب من عمرو بن العاص تسليمه كتب الحكمة المتوافرة بمكتبة الإسكندرية توفي قبل فتح العرب لمصر بأكثر من عشرين عامًا؛ الأمر الذي يؤكد بجلاء زيف حرق المسلمين العرب مكتبة الإسكندرية، ولو لم يكن إلا هذا البرهان الجلي لكفى.
وذكر ألفرد بتلر في كتابه أيضًا أن مكتبة الإسكندرية بفرعيها احترقت قبل قدوم المسلمين إلى مصر بزمن طويل أي في زمن يوليوس قيصر، وهذا ما أشارت إليه مصادر عدة، وأن أغلب الكتب كانت مكتوبة على رقوق، والرقوق كما هو معروف لا تصلح للوقود لكونها جلود حيوانات.
وأكدت المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه هي الأخرى في كتابها “شمس العرب تسطع على الغرب” أن حرق العرب مكتبة الإسكندرية ما هو إلا محض افتراء. وبرهنت على ذلك بقولها: “عندما دخل العرب الإسكندرية في عام 642م لم تكن هناك من زمن طويل مكتبات كبيرة بها. وأما ما اتهم به قائدهم عمرو بن العاص من إحراق مكتبة الإسكندرية، والذي يعبر به حتى اليوم من صورة مفزعة للبربرية الوحشية، فقد ثبت في أكثر من مناسبة وبعد أبحاث مستفيضة، أنه مجرد اختلاق لا أساس له من الصحة”. والكلام لزيغرد هونكه من كتابها. 
وذكرت زيغرد هونكه أيضًا أن قصة حرق مكتبة الإسكندرية من قبل العرب المسلمين لم تظهر إلا بعد مرور 500 عام من الحادثة. وأضافت قائلة: المعروف أن مكتبة الإسكندرية كانت تتكون من قسمين وهما “البروكيوم” و “السيرابيوم” وقد أحرق يوليوس قيصر في العام 48ق.م القسم الرئيسي من المكتبة وهو “البروكيوم”. وهذا ما أشار إليه ألفريد بتلر أيضًا. وقالت زيغرد هونكه: وعلى أية حال فقد اختفت المكتبة من الوجود قبل فتح العرب لمصر بأكثر من مائتي عام، ولم يشر مؤرخو القرنين الخامس والسادس الميلادي إلى وجود هذه المكتبة في تلك الفترة.
وبهذا فإن ما أشيع من حرق العرب مكتبة الإسكندرية ما هو إلا محض افتراء وتزييف من قبل أبي الفرج المالطي لفّقه في كتابه “مختصر الدول”، إلا أن المؤرخين والموثقين الأجانب الكبار كشفوا بالأدلة الدامغة والبراهين الجلية القاطعة عن حقد ومغالطات وتزييف أبي الفرج المالطي من أجل تشويه الإسلام والنيل من رجاله العظام.

 

*باحث ومؤرخ بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .