ثمة محطات استثنائية في تاريخ الأوطان تتجاوز حدود الزمن، لتتحول إلى صفحات مشرقة في الذاكرة الوطنية، وتصبح جزءاً أصيلاً من الهوية الجامعة والمسيرة التاريخية الممتدة. ومن هذا المنطلق، تبرز الأهمية الوطنية والاستراتيجية للأمر الملكي السامي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، بإنشاء وتشكيل لجنة توثيق “ملحمة الصمود الوطني”، باعتباره مبادرة وطنية رائدة تجسد رؤية ملكية ثاقبة تؤمن بأن حفظ الذاكرة الوطنية لا يقل أهمية عن صناعة الإنجازات ذاتها، وأن صون الحقائق وتوثيق المواقف الوطنية يمثلان استثماراً مستداماً في مستقبل الوطن وأجياله القادمة.
ويعكس هذا الأمر الملكي السامي نهجا حضارياً راسخاً في إدارة الشأن الوطني، يقوم على توثيق التجارب المفصلية وصون المكتسبات الوطنية وترسيخ الرواية الوطنية الموثقة للأحداث. فالدول التي تنظر إلى المستقبل بثقة ووعي هي تلك التي تحرص على حفظ ذاكرتها الجماعية وتوثيق محطاتها التاريخية الكبرى، وتحويلها إلى رصيد معرفي ووطني تستفيد منه الأجيال المتعاقبة، وتسترشد به المؤسسات الوطنية في بناء السياسات وتعزيز الهوية وترسيخ قيم الانتماء والولاء.
وتأتي هذه المبادرة الملكية امتداداً لحرص جلالة الملك المعظم على تعزيز الوعي الوطني وحفظ الحقائق التاريخية وتقديمها للأجيال القادمة بصورة دقيقة وموثقة، بما يحفظ الرواية الوطنية من الاجتهادات غير الدقيقة أو محاولات التشويه والتزييف. كما تؤكد أن ما شهدته البحرين من مواقف وطنية مشرّفة خلال تلك المرحلة يمثل جزءاً أصيلاً من تاريخ الوطن الحديث، ويستحق أن يوثق بمنهجية علمية ومهنية تليق بحجمه وأهميته.
كما أن هذه الخطوة الوطنية تعكس فهماً عميقاً لأهمية التوثيق بوصفه إحدى أدوات القوة الناعمة وسلاحاً استراتيجياً في معركة الوعي، حيث لا يقتصر دوره على حفظ الوثائق والمعلومات، بل يمتد إلى ترسيخ الحقيقة الوطنية وتعزيز الوعي المجتمعي وصون الذاكرة الجماعية من النسيان أو التحريف. فالتوثيق في جوهره حماية للتاريخ، وتعزيز للانتماء، وترسيخ للثقة الوطنية بالمؤسسات والإنجازات.
ويكتسب تشكيل اللجنة أهمية إضافية من خلال إسناد رئاستها إلى معالي الشيخ عبدالله بن أحمد آل خليفة، لما يتمتع به من خبرة وطنية ومعرفية واسعة في مجالات الدراسات الاستراتيجية والعمل المؤسسي والتوثيق، إلى جانب عضوية نخبة متميزة من الكفاءات الوطنية التي تمثل مختلف الجهات الرسمية ذات الصلة. ويعكس هذا التشكيل النوعي الثقة الملكية في الكفاءات البحرينية وقدرتها على إنجاز مشروع وطني متكامل وفق أعلى المعايير المهنية والعلمية، بما يضمن توثيق هذه الملحمة الوطنية بصورة شاملة ودقيقة تحفظ تفاصيلها للأجيال القادمة.
ولا تقتصر أهمية لجنة توثيق “ملحمة الصمود الوطني” على جمع الوثائق أو أرشفة المعلومات، بل تتجاوز ذلك إلى بناء ذاكرة وطنية ومؤسسية متكاملة توثق تجربة بحرينية رائدة في التلاحم الوطني والتكاتف المجتمعي، وتحفظ صور الوفاء والانتماء التي جسدها أبناء البحرين في مختلف المواقف والظروف. إنها مبادرة وطنية وثقافية ومعرفية متكاملة تسهم في تعزيز قيمة التدوين والتوثيق بوصفهما أحد أهم أدوات حماية الهوية الوطنية وصون الإرث التاريخي.
وسيشمل هذا التوثيق الجهود الوطنية المخلصة التي بذلتها مختلف مؤسسات الدولة خلال تلك المرحلة، وما أظهرته من كفاءة عالية ومسؤولية وطنية وجاهزية متميزة في أداء واجباتها. كما يستحق أن يوثق الدور المشرف الذي قامت به قوة دفاع البحرين والحرس الوطني ووزارة الداخلية وسائر الأجهزة العسكرية والأمنية والمدنية، والتي جسدت نموذجاً وطنياً رفيعاً في حماية الوطن وصون أمنه واستقراره والحفاظ على مكتسباته.
كما سيحفظ هذا التوثيق المواقف الوطنية الصادقة التي عبر عنها أبناء البحرين الأوفياء من خلال برقيات الولاء ورسائل التأييد والبيانات الوطنية الصادرة عن مختلف المؤسسات الرسمية والأهلية ومؤسسات المجتمع المدني، والتي شكلت في مجموعها صورة وطنية مشرقة عكست عمق الانتماء ووحدة الصف والتلاحم الراسخ بين القيادة والشعب. لقد كانت تلك المواقف تجسيداً حقيقياً للوعي الوطني والمسؤولية المجتمعية، وأحد أبرز الشواهد على قوة الجبهة الداخلية البحرينية وقدرتها على مواجهة التحديات بثقة وثبات. وعلاوة على ذلك، فإن اللجنة تمثل خطوة نوعية نحو بناء أرشيف وطني متكامل يشكل مرجعاً علمياً موثوقاً للباحثين والأكاديميين والمهتمين بالشأن الوطني، ويسهم في إثراء الدراسات المستقبلية المتعلقة بالتجربة البحرينية، ويضمن استمرارية الاستفادة من دروسها وعبرها. فالتوثيق هنا ليس استحضاراً للماضي فحسب، بل هو استثمار في المستقبل، وترسيخ لقيم المواطنة والمسؤولية الوطنية، وتعزيز للوعي المجتمعي بأهمية المحافظة على المكتسبات الوطنية وصونها.
إن الأمر الملكي السامي بإنشاء لجنة توثيق “ملحمة الصمود الوطني” يؤكد مجدداً أن البحرين، بقيادتها الحكيمة، تنظر إلى الأحداث الوطنية بمنظور استراتيجي بعيد المدى، يستوعب الحاضر ويحفظ الماضي ويستشرف المستقبل. وهي رسالة وطنية بليغة تؤكد أن الإنجازات الكبرى والمواقف الوطنية المخلصة تستحق أن تحفظ وتوثق لتظل شاهدة على مسيرة وطن صاغ تاريخه بالإرادة والعطاء والتلاحم.
وستظل “ملحمة الصمود الوطني” علامة فارقة في تاريخ البحرين الحديث، وشاهداً على قوة التلاحم بين القيادة والشعب، وعلى قدرة الدولة ومؤسساتها على تجاوز التحديات وتحويلها إلى فرص لترسيخ الوحدة الوطنية وتعزيز الثقة بالمستقبل. كما ستبقى لجنة التوثيق إحدى المبادرات الوطنية الرائدة التي تجسد وعياً عميقاً بقيمة التاريخ وأهمية حفظ الذاكرة الوطنية، لتظل قصة شعب وقيادة ووطن حية في وجدان الأجيال، ومصدراً دائماً للفخر والإلهام والعطاء.
*كاتبة بحرينية