التنين في عرش الأساطير هو من صُنع خيال قديم عند الأمم. أمتد أثره عند كثير من القوميات، وفي الثقافة الصينية رمز فأل وحظ سعيد يبثه إيحاء نفسي. كما هو خارق عادة يُحاكي رغبة الأباطرة في القدرة والنفوذ، وعند عامتهم إله يُخشع له، ويُقدّم إليه قرابين طلب هطول أمطار، ويظهر في هيئة رسم ونحت وأزياء وحُلي.
هنالك عدة أراء إشتجرت في أصل التنين من حيث تكوينه، منهم من يقول أن أصل التنين إله طبيعي أنبثق من خيالات أجداد أولين، وأُستُلهم من ملاحظة صواعق وومض برق، لما فيهما من قوة ساحرة تُثير إعجاب وذهن إنسان بدائي شيَّد في خياله كيان غير موجود على هيئة تنين.
وآخرون ذكروا أن التنين أصله تمساح، والتمساح في اعتقادهم يتمتع بقدرة على تنبوء هبوب رياح، وسقوط أمطار، ويملك صيحة رعدية عادة قبل هطول مطر، وله صفة أنه يغط في سبات شتوي يعود إلى وعيه في أوائل الربيع، وقدماء الصين يعتقدون أن الإله يصعد إلى السماء في الإعتدال الربيعي، ويغوص في أعماق المياه في إعتدال خريفي، ومن هنا شبهوا التنين إله بصفة تمساح.
والرأي الأخير أن التنين أصله طوطم ثعبان له وجه أو رأس إنسان، وجسم ثعبان تطور ودمج صفات أكثر الكائنات قوة ورهبة عُرفت آنذاك في بيئة محلية، فأخذت قرون غزال، وجسم أفعى، ومخالب نسر، وحراشف سمكة، فتشكل من هذا تركيب يشير إلى قوة، وقدرة إختفاء وظهور، وقابلية تضخُّم جسد وتصْغِير، وتطويل وتقصير.
هذه الأراء الثلاث من إبتداع إنسان حيوان خرافي أسطوري قديم يُصور قوة ونفوذ وعقيدة روحية، وأُضْفي إليه في ثقافات اليابان وكوريا والهند أنه مخلوق فأل وفضل وأثر في ظواهر طقس ومطر، ويغضب في فيضانات وأعاصير وعواصف.
أما الأوربيون فى العصور الوسطى؛ عندهم التنين له أجنحة وينفث نار، وكائن شرير يبث فوضى، ساد هذا عندما انتشرت المسيحية، وأرتبط ذِكره في وصف الكتاب المقدس أنه وحش شرير يمثل الشيطان الذي يجب على الأبطال القديسين التغلب عليه.
وعند العرب التنين له ذِكر، حيث أورد معجم لسان العرب لابن منظور أسطورته؛ أن التِّنِّينُ ضرْب من الحيّات، ومن أَعظمها كأَكبر ما يكون منها، وربما بعث الله عز وجل سحابة فاحتملته، وذلك فيما يقال، والله أَعلم، أَن دوابّ البحر يشكونه إلى الله فيرْفَعُه عنها، وذكر كذلك أن ذَنَبِ التِّنِّين يَضطرب فى هَيْدب السحابةَ، وجاء فى بعض الأَخبار؛ أَن السحابة تحمل التِّنّين إلى بلاد يَأْجوج ومَأْجوج فتَطرحه فيها، وأَنهم يجتمعون على لحمِه فيأْكلونه".
ولهذا التنين في جوهره مُبتدع في وعي البشر، وليس مخلوق بيولوجي حقيقي، أو يوجد له دليل آثاري، أو بقايا مادية لكائن حي مُسجل في أي حقبة زمنية يطابق مواصفات أسطورية تنين مُجنح ضخم ينفث نار. وحكايته هي محاولة حضارات قديمة تفسير ظواهر عالم غامض دون وجود علم راسخ في فجر تاريخ يُفسر ظواهر طبيعية، وحفريات عُثر عليها.
البشر ميَّال في موروثه القديم والحديث إلى معارف شعبيه، أحيانا يتمثل في وحش أو كائن تُنسج حوله أساطير، تتلبس في فهم، وتتعاقب في ذاكرة أجيال، وتختلط في وجدان واِعتقاد. تعلق قد يمتد إلى كثير أُناس يظهرون ذلك في مراسم أعياد ومناسبات شعائريه فيها إختلاق سرديات، وهناك من البعض من تدخل تلك الأساطير في فولكلور ومهرجانات تُعبر عن هوية.
قيل أن الأساطير وملحمياتها تتغلغل في خبايا اللاوعي، وتملىء فجوات معرفيه في مناخ يغيب فيه تحليل واستنتاج شواهد علمية، بل ويُفارق هدي آلهي منصوص بوحي. تلك حكمة لها تبصّر.
وللشاعر الطغرائي (ت 453هـ)في العصر المملوكي مندوحة وصف للتنين؛
قد خرج التنين من بحرنا
بين هبابات وأنارِ
هامته في الأرض منكوسة
ورجله في فلك النارِ
أقام في داخله مدة
يقذف تياراً بتيارِ
والنار تحت البحر مشبوبة
بجاحم للجمر فرّارِ
ومسكن التنين في جوفه
جزيرة في جُرفٍ هارِ
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |