ثمة حروب تُعلَن وتُخاض وتنتهي. وثمة حروب من نوع آخر لا تُعلَن رسمياً، ولا تنتهي بمعاهدة، ولا تُحسم بانتصار.
هي حروب تسكن خلف الهدنات، وتتنفس في الفراغ بين الاتفاقيات، وتضرب حيث لا يتوقعها أحد الاقتصاد، وفي النفس، وفي الثقة التي تربط الإنسان بغده.
البحرين اليوم لا تعيش حرباً بالمعنى الكلاسيكي. هي تعيش ما هو أكثر إرهاقاً من ذلك تعيش على خط وقف نار لا يوقف شيئاً حقيقياً.
توقيع الحبر لم يجفّ على مذكرة إسلام آباد في السابع عشر من يونيو، حتى عادت المسيّرات الإيرانية تشق سماء البحرين في السابع والعشرين من الشهر نفسه.
عشرة أيام بين التوقيع والخرق. عشرة أيام تكشف طبيعة هذه الحرب الخبيثة التي تتخذ من الهدنة قناعاً وليس التزاماً.
الخبث هنا ليس في الصاروخ الذي يُطلَق، بل في الرسالة التي يحملها. رسالة مفادها أن لا اتفاق يصمد، ولا ضمان يُطمئن، ولا غد يمكن البناء عليه بثقة تامة.
وهذه الرسالة حين تستقر في وعي الناس والمستثمرين والشركاء الدوليين تفعل ما لا تستطيع آلاف الصواريخ فعله: تُزعزع الاقتصاد دون أن تمسّه مباشرة.
فالاقتصاد في نهاية المطاف كيان يقوم على الثقة. ثقة المستثمر في أن رأس ماله آمن. ثقة السائح في أن رحلته لن تُلغى. ثقة الشريك التجاري في أن الطرف الآخر سيكون موجوداً غداً.
وحين تتآكل هذه الثقة لا بسبب كارثة واحدة، بل بسبب تراكم القلق وتهميش الاتفاقيات واحدة تلو الأخرى يبدأ الاقتصاد بالانكماش من الداخل قبل أن يُصاب من الخارج.
هذا هو الهدف الحقيقي لما تفعله إيران بدول الخليج. لا تريد أن تحتل أرضاً ولا أن تسقط حكومة تريد أن تُثبت أن المنطقة لا يمكن أن تنعم باستقرار طالما إيران غير راضية. هي تقول للعالم: أي استثمار في هذه المنطقة رهينة حساباتنا.
وأي اتفاق يُوقَّع دوننا لا قيمة له. هذا ابتزاز استراتيجي بامتياز، يرتدي ثوب الحرب حين يحتاج، وثوب الهدنة حين يُريد.
غير أن في البحرين شيئاً يُربك هذه الحسابات. فهي ليست دولة تنتظر أن يحميها الآخرون — هي دولة تحمي نفسها وتُشكّل تحالفاتها باقتدار لافت. موقفها في مجلس الأمن، وقرارها الذي حظي بتأييد 136 دولة، ليس مجرد دبلوماسية — هو عملية عزل ممنهجة لمن يُهمّش الهدنات ويستخف بالشرعية الدولية. البحرين تخوض حرب الروايات بقدر ما تخوض حرب المسيّرات، وفي هذا الميدان تتفوق بمراحل.
ولذلك — ورغم كل ما يجري — يظل الفخر بهذه الدولة الصغيرة الكبيرة مشروعاً وعميقاً. ليس فخر الغافل، بل فخر من يرى بوضوح ويختار مع ذلك أن يثق. ثقة في مؤسسات تعمل ولا تتوقف. ثقة في اقتصاد يقاوم ولا ينهار. ثقة في شعب يقرأ الخبر في الصباح، يشعر بثقله، ثم يمضي إلى عمله.
الحرب الخبيثة رهانها الأول والأخير هو أن تُفقدك الثقة بنفسك وبوطنك. فإن بقيت هذه الثقة خسرت الحرب قبل أن تبدأ.
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |