العدد 6465
السبت 27 يونيو 2026
كمبوديا تطارد مصانع الاحتيال العابر للحدود
السبت 27 يونيو 2026

في كمبوديا، لم يعد الاحتيال الإلكتروني رسالة خادعة تصل إلى هاتف بعيد، بل صار صناعة لها مبانٍ وحراس وممولون وضحايا، لذلك تبدو دعوة بنوم بنه الأخيرة إلى تعاون آسيوي أقوى ضد الاحتيال والجريمة العابرة للحدود، ضمن حملة حكومية على مراكز نشأت بعد طفرة الكازينوهات والعقارات في مدن ومناطق حدودية، اعترافا بأن الجريمة الرقمية لم تعد تسكن الشاشة وحدها، بل تمد جذورها في الاقتصاد والمجتمع والسيادة، وتضع الدولة أمام اختبار أمني واقتصادي واجتماعي صعب. هذا الاعتراف مهم لأن كمبوديا تحولت إلى ساحة لمراكز الاحتيال الإلكتروني، حيث يُستدرج شبان من الصين وكوريا الجنوبية وتايلاند وغيرها بوعود وظائف مغرية، ثم يجد بعضهم نفسه في مجمعات مغلقة يُجبر فيها على خداع ضحايا عبر الاستثمار الوهمي أو العملات المشفرة. هنا تمتزج الجريمة بالاتجار بالبشر، فيصبح الضحية أداة لصناعة ضحية جديدة داخل حلقة قاسية.

ومن هذه الغرفة الضيقة يخرج الخطر إلى العالم الواسع، فقد قدّرت تقارير أممية أن صناعة الاحتيال الإلكتروني في جنوب شرق آسيا تدر عشرات المليارات من الدولارات سنويا، وتحدثت تقديرات عن نطاق بين 27.4 و36.5 مليار دولار  في العام. الرقم ليس تفصيلا ماليا عابرا، بل مؤشر إلى اقتصاد ظل يملك سيولة، وشبكات غسل أموال، وقدرة على شراء الحماية والصمت والانتقال من بلد إلى آخر كلما ضاق الخناق. ولهذا يهم الأمر الخليج مباشرة، لا من باب الفضول الآسيوي، بل من باب المصلحة، فدول الخليج مجتمعات عالية الاتصال، واسعة الاستخدام للتطبيقات المصرفية، وجاذبة للاستثمار الرقمي، وفيها عمالة آسيوية كبيرة وتحويلات عابرة للحدود. وكلما اتسعت الثقة بالتقنية، اتسعت معها حاجة الناس إلى حماية تلك الثقة، فالاحتيال لا يسرق مالا فقط؛ إنه يسرق الطمأنينة، ويضعف ثقة الفرد بالمصرف والمنصة والرسالة والمكالمة.

ومن هنا تصبح التجربة الكمبودية درسا لا فضيحة فقط، فالحكومة، وفق أرقامها المعلنة، استهدفت منذ يوليو 250 موقعا مشتبها، وأغلقت نحو 200 منها، وفتحت 79 قضية ضد قرابة 700 من الرؤوس والعاملين، ورحّلت نحو 10 آلاف عامل من 23 دولة، ثم دفعت بقانون خاص يرفع العقوبات إلى السجن الطويل وربما المؤبد عند الاتجار أو العنف أو الوفاة. لكن هذه الأرقام، على أهميتها، لا تكفي إن بقي المال أسرع من العدالة.

في النهاية، تكشف كمبوديا أن مكافحة الاحتيال الإلكتروني لا تُقاس بعدد المراكز المغلقة فقط، بل بقدرة الدولة على كشف من يحمي الشبكات ويمولها ويستدرج العمال إليها. وإذا كان اعتقال تشين تشي، وهو رجل أعمال كمبودي بارز من أصل صيني ارتبط اسمه بملف مراكز الاحتيال، وتسليمه إلى الصين رسالة حزم، فإن الخليج معني بالدرس، إذ يحتاج اقتصاد المستقبل إلى شرطة رقمية، ومصارف يقظة، ومنصات مسؤولة، وقوانين تفرّق بين المحتالين وصنّاع الاحتيال.

*صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .