العدد 6452
الأحد 14 يونيو 2026
تايلاند أمام اقتصاد المونديال الخفي
الأحد 14 يونيو 2026

لا تدخل منافسات بطولة كأس العالم 2026 لكرة القدم إلى البلدان من بوابة الملاعب والمدرجات وحدها؛ ففي تايلاند ظهرت من باب أكثر حساسية، حيث يتشكل حول المونديال اقتصاد خفي لا تصنعه الأضواء، بل تحركه أموال تتسرب بصمت. وبينما تتجه الأنظار إلى أمريكا الشمالية، وجدت بانكوك نفسها أمام سؤال لا يخص من يرفع الكأس، بل من يلتقط المال المتفلت، وكيف يتحول الحدث الرياضي الأكبر إلى امتحان اجتماعي واقتصادي.

ومؤخراً، كثّفت السلطات التايلاندية حملتها على مواقع وروابط المراهنات غير القانونية قبل انطلاق البطولة، إذ ذكرت وزارة الاقتصاد الرقمي والمجتمع أنها حجبت أكثر من 673 ألف رابط وصفحة مرتبطة بهذه الأنشطة خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة المالية. ولا يعكس هذا الرقم مجرد نشاط إلكتروني عابر، بل يكشف أن الخطر الاقتصادي لا يأتي دائماً من الركود الظاهر، بل من أموال تتحرك في الظل. فحين تتحول المباراة إلى فرصة لإنفاق غير منضبط، لا تخسر الأسرة وحدها، بل يتضرر الاقتصاد الرسمي أيضاً، إذ يتسرب جزء من الدخل إلى قنوات لا تصنع وظيفة واضحة، ولا ضريبة عادلة، ولا قيمة إنتاجية مستدامة.

وتكتسب هذه الزاوية دلالتها الأعمق حين تُقرأ ضمن السياق التايلاندي الأوسع؛ فالبلاد، وهي من أكبر اقتصادات جنوب شرق آسيا، تواجه تباطؤاً في الاستهلاك والسياحة، بعدما خفض البنك المركزي توقعات نمو 2026 إلى 1.5%، مع تأثر القطاع السياحي باضطرابات السفر المرتبطة بتصعيد الشرق الأوسط. لذلك لا تبدو حملة المونديال إجراءً أمنياً فقط، بل محاولة لحماية الدورة المالية من تسرب جديد نحو مقامرة رقمية عابرة.

وهنا تبرز دلالة تايلاند للقارئ الخليجي من زاوية اقتصادية مباشرة. فدول الخليج، وهي توسّع اقتصاد الترفيه والرياضة والسياحة الرقمية، لا تواجه سؤال جذب الجمهور فقط، بل سؤال حماية هذا الجمهور من الأسواق الجانبية التي تنمو حول الأحداث الكبرى. وما تكشفه بانكوك أن الخطر لا يكون دائماً في ضعف الإنفاق، بل في ذهابه إلى مسارات غير منظمة تستنزف الأسر، وتضعف العائد العام، وتحول الشغف الرياضي من فرصة اقتصادية إلى كلفة اجتماعية خفية.

كما تكشف الحالة التايلاندية أن التحول الرقمي في جنوب شرق آسيا ليس قصة تطبيقات وذكاء اصطناعي فقط، بل قصة صراع بين اقتصاد رسمي يريد التوسع، واقتصاد ظل يعرف كيف يستغل المناسبات الكبرى. وفي زمن تتسع فيه المدفوعات الإلكترونية وتنتقل الرغبات بسرعة الشاشة، تصبح حماية المجتمع جزءاً من حماية النمو.

لذلك، لا تبدو تايلاند بعيدة عن كأس العالم، بل حاضرة في اختبار مختلف. فالمباراة هناك لا تُلعب على العشب، بل بين الاستهلاك المنظم والمال المتسرب، وبين المتعة والخطر. فالربح لا تصنعه البطولة وحدها، بل تحميه دولة تعرف كيف تمنع خسائرها الصامتة قبل صافرة النهاية بوقت طويل.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية