تُعد الموسيقى إحدى أهم الأدوات الثقافية والتربوية القادرة على تشكيل الوعي الجمعي وتعزيز الشعور بالانتماء الوطني لدى الأفراد. وقد أكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في العديد من تقاريرها أن الفنون، وفي مقدمتها الموسيقى، تؤدي دورًا أساسيًا في نقل التراث الثقافي وتعزيز الهوية الوطنية وترسيخ قيم المواطنة لدى الأجيال الناشئة. ومن هذا المنطلق تكتسب التربية الموسيقية في المدرسة البحرينية أهمية خاصة بوصفها جزءًا من عملية بناء المواطن وتعزيز ارتباطه بوطنه وتاريخه وثقافته.
ويبدأ هذا الارتباط منذ السنوات الدراسية الأولى، حيث يقف الطلبة يوميًا في طابور الصباح مرددين السلام الملكي بكل فخر واعتزاز. وتؤكد الدراسات التربوية أن الرموز الوطنية المرتبطة بالموسيقى تمتلك قدرة استثنائية على التأثير في الوجدان وترسيخ المشاعر الجمعية، لأنها تجمع بين الكلمة واللحن والإحساس. لذلك فإن أداء السلام الملكي لا يمثل مجرد ممارسة بروتوكولية، بل يشكل تجربة تربوية تسهم في بناء علاقة وجدانية بين الطالب ووطنه، وتعزز لديه قيم الولاء والانتماء واحترام الرموز الوطنية.
ويرى عالم الموسيقى البريطاني جون بلاكينغ في كتابه «كيف يكون الإنسان موسيقيًا؟» أن الموسيقى ليست مجرد أصوات منظمة، بل هي انعكاس للثقافة وتجسيد لهوية المجتمع وقيمه. ومن هذا المنظور تصبح الموسيقى المدرسية أداة فعالة لتعريف الطلبة بالمكونات الثقافية التي تشكل الشخصية البحرينية، وتساعدهم على فهم خصوصية مجتمعهم ومكانتهم داخله.
وتسهم الأنشطة الموسيقية في المدارس البحرينية في تعزيز هذه العلاقة من خلال الأناشيد الوطنية والاحتفالات المدرسية والمناسبات الرسمية التي تستحضر تاريخ البحرين وإنجازاتها الوطنية. كما توفر هذه الأنشطة مساحة تربوية لترسيخ قيم التعاون والتسامح والعمل الجماعي والمسؤولية الاجتماعية، وهي قيم ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم المواطنة الفاعلة.
ومن الجوانب المهمة أيضًا أن الموسيقى تؤدي دورًا بارزًا في المحافظة على التراث الثقافي ونقله إلى الأجيال الجديدة. فقد أكدت الباحثة الأمريكية بينيت ريمر، إحدى أبرز منظري التربية الموسيقية في العالم، أن التعليم الموسيقي لا يقتصر على تنمية المهارات الفنية، بل يسهم في تنمية الوعي الثقافي والاجتماعي وفهم الإنسان لذاته ومجتمعه. وينطبق ذلك بصورة واضحة على التجربة البحرينية، حيث يتعرف الطلبة إلى الفنون الشعبية والألحان التراثية التي ارتبطت بالبيئة البحرية والاجتماعية للمملكة، مما يعزز ارتباطهم بجذورهم الثقافية ويعمق شعورهم بالفخر بالهوية الوطنية.
كما تسهم الموسيقى المدرسية في بناء روح الجماعة والانسجام بين الطلبة. فالأداء الجماعي للأناشيد الوطنية والفرق الموسيقية المدرسية يرسخ قيم الانضباط والتعاون والعمل المشترك، ويمنح الطلبة شعورًا بأنهم جزء من كيان وطني واحد. وقد أشار الباحث البريطاني كيث سوانويك في كتابه «تعليم الموسيقى موسيقيًا» إلى أن المشاركة الجماعية في الأنشطة الموسيقية تسهم في بناء الروابط الاجتماعية وتعزيز الإحساس بالانتماء إلى المجتمع.
وفي السياق الخليجي، يؤكد عدد من المفكرين العرب، ومن بينهم الدكتور محمد جابر الأنصاري، أن الهوية الوطنية لا تتشكل فقط عبر المناهج الدراسية أو الخطاب السياسي، بل من خلال الثقافة والفنون والرموز المشتركة التي تخلق ذاكرة جماعية للأمة. ومن هنا تبرز أهمية الموسيقى المدرسية بوصفها إحدى الوسائل التي تسهم في بناء هذه الذاكرة وترسيخها في وجدان الأجيال الجديدة.
وفي عصر العولمة والتدفق الثقافي المتسارع، تزداد الحاجة إلى توظيف الموسيقى في تعزيز الهوية الوطنية دون الانغلاق على الذات. فالموسيقى قادرة على الجمع بين الأصالة والانفتاح، إذ تتيح للطلبة التعرف إلى ثقافات العالم المختلفة مع الحفاظ على ارتباطهم بتراثهم الوطني. وهذا ما تؤكد عليه توجهات التربية الحديثة التي ترى أن الاعتزاز بالهوية الوطنية يشكل أساسًا للحوار الإيجابي مع الثقافات الأخرى.
إن الموسيقى في المدرسة البحرينية ليست نشاطًا ترفيهيًا أو مادة فنية فحسب، بل هي رافد أساسي من روافد التربية الوطنية والثقافية. فمن خلال السلام الملكي والأناشيد الوطنية والأنشطة الموسيقية المرتبطة بالتراث البحريني، تتشكل لدى الطلبة مشاعر الانتماء والاعتزاز بالوطن، ويترسخ وعيهم بتاريخ البحرين وقيمها الحضارية، بما يسهم في إعداد جيل قادر على الحفاظ على هويته الوطنية والمشاركة الفاعلة في بناء مستقبل وطنه.
*أستاذ أكاديمي بحريني متخصص وباحث في الموسيقي
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |