قرأت مؤخرا مقالة عميقة غنية بالمعنى للصديق الكاتب والروائي يوسف البنخليل، بعنوان “العالم بعد اختفاء الانتظار”، يُناقش فيها التحولات النفسية والاجتماعية للإنسان المعاصر في ظل التكنولوجيا الرقمية وسيطرة الهواتف الذكية، حيث “أصبح هذا الإنسان يعيش داخل الوميض الصغير، الإشعارات والرسائل والتحديثات بعد اختفاء مفهوم الانتظار. ففي الماضي، كان الإنسان يستثمر وقت الانتظار في العزلة والتأمل والتفكير العميق. أما اليوم، فقد تلاشت هذه المساحة بسبب التفاته الدائم لهاتفه بمجرد وصول إشعار جديد”. ويلخص البنخليل هذه الأزمة بعبارة بليغة: “نخشى أن يفوتنا شيء فنفوّت أنفسنا”.
توقفت عند هذا المدخل للمقالة لأنه يثير أكثر الأسئلة رعبًا حول مستقبل الإنسان. ففي المستقبل – على ما يبدو - سندفع على الأرجح نحو سرعةٍ بلا حدود، نتيجة التطور الهائل للذكاء الاصطناعي والتقنيات الفورية، ما سيجعل الانتظار ممارسة تنتمي إلى زمنٍ انقضى. لكن السؤال الأعمق هو: ماذا سيحدث للإنسان حين يختفي الانتظار تماما، ويفقد المساحة الفاصلة بين الرغبة وتحقيقها؟ سؤال جوهري أمامه ثلاثة احتمالات:
- الأول: احتمال الفناء وانتهاء ظاهرة اسمها الإنسان، بسبب انتهاء الانتظار/ أي مرحلة الإنسان. (يُلاحظ أن الدمار الشامل للإنسان والأرض هو أكثر أمر متوقع، أي أقرب المنتظر في أية لحظة جنون).
- الثاني: أن تُصاب السرعة نفسها بعطل يعيدنا إلى محطة الانتظار. انتظار البعث. أو العودة إلى السرعة المسموح بها (مئة كلم في الساعة مثلا)!
- الثالث: أن يمضي الإنسان سريعا فيسلم نفسه للرقمنة والذكاء الاصطناعي وزمام حياته وقراراته للخوارزميات متجاوزا حدود الانتظار، فلا يتوقف القطار عندها أثناء الرحلة، ويتحول تدريجياً من كائن حيّ، يتمتع بالإرادة والقدرة على الانتظار إلى مجرد “مُستهلك” للخدمات السريعة. هذا التحول الرقمي السريع سيغير البنية النفسية والعمق الإنساني بشكل جذري.
وعندما يحال الأمر للخوارزميات، لا حاجة – مثلا - للكتّاب والشعراء والروائيين. وحتى الرسامين، (طالعت مؤخرا خبرا عن روايات كتبها الذكاء الاصطناعي. فأي لزوم للروائيين إذا؟).
إن هذه السرعة تجعل كل شيء متاحاً بضغطة زر. فتغرق أدمغتنا في سيل من المعلومات، يفوق قدرتها على الاستيعاب. فترهقنا وتفصلنا عن ذواتنا تقريبا. فما أرحم الانتظار، من دونه قد نفقد ما بقي من انسانيتنا تقريبا.
كاتب وإعلامي بحريني