رحيل غامض يفتح “الصندوق الأسود” لمؤسس الحمية ضياء العوضي تاركا ساحة جدال شرسة بين مؤيد ومعارض
“الطيبات” بين إغراءات الحصول على الصحة والرشاقة و“خبث” الوقوع في شر الأمراض والموت
-
انتشار لافت لإعلانات تسويقية لمشروعات منزلية بحرينية تقدم أطعمة مخصصة للحمية المثيرة للجدل
-
مدافعون بحرينيون ينشطون بقوة على منصات التواصل الاجتماعي للتصدي لأي انتقاد يوجه للحمية
-
“طيبات” يروج على أنه نهج غذائي يرتكز على استهلاك الأطعمة النظيفة وتجنب المنتجات المصنعة
-
الخضراوات الورقية والدجاج والبيض والمأكولات البحرية والخبز والألبان الطازجة أبرز الممنوعات

-
د. وئام حسين: تقليل الأطعمة المصنعة مفيد لكن التطرف في أي حمية قد يسبب مشكلات صحية
-
د. علي ضيف: النظام يؤثر في التئام الجروح ويسبب خسارة في الكتلة العضلية بسبب نقص البروتين
-
د. ابتهال اليوسف: إيقاف الإنسولين والأدوية دون إشراف طبي تصرف خطير قد يهدد حياة المرضى
-
د. فاطمة الحداد: تجربة شخصية جرى تعميمها ومزيج من مبادئ مقبولة علميا وقيود غذائية لا تدعمها الأدلة
-
أريج السعد: النظام يتعارض مع التوصيات العالمية ونرصد حالات تضررت من الحميات الإقصائية
-
محمود الشواي: لا توجد حمية تناسب الجميع.. والتحسن المؤقت قد ينتج عن الاستبعاد الغذائي
في 21 أبريل 2026، تصدّر وسائل الإعلام خبر وفاة الدكتور ضياء العوضي في ظروف غامضة داخل أحد فنادق دبي، وهو طبيب مصري متخصص في التخدير والرعاية المركزة وعلاج الألم، ارتبط اسمه بنظام غذائي مثير للجدل يُعرف بـ “نظام الطيبات”.
ولم تكن وفاته حدثا عابرا، فقد صاحب إعلان الوفاة ضجة إعلامية من مناصريه، مغلّفة بنظرية المؤامرة، اتهموا فيها شركات الأدوية باستهدافه بسبب آرائه الحادة ضد الأدوية.
وساهمت هذه الضجة في تصدّر “نظام الطيبات” الغذائي وانتشاره، وأعادت تسليط الضوء على أفكاره وممارساته المثيرة للجدل بعد أن كانت محصورة إلى حد كبير في دائرة متابعيه ومناصريه. 
وفي المقابل، جيّش معارضوه الإعلام ضده، وانتفض الأطباء لتفنيد آرائه، وكأن الصندوق الأسود قد فُتح، وفُتح معه ملف الدكتور ضياء ونظامه الغذائي “الطيبات”.
وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة جدال شرسة بين مؤيد ومعارض ومتهكم وساخط، فيما عدّه البعض خروجا على أسس الطب المبني على الأدلة.
وبين ضجيج الجدل المنفلت و “مانشيتات” العناوين المثيرة، قررت “البلاد” أن يكون لها صوت مسؤول ينقل الحقيقة، وأن تقترب من التفاصيل كافة، موجّهة عدستها نحو مختلف جوانب القضية بحيادية وموضوعية، لتفتح ملف “نظام الطيبات” وتضعه تحت مجهر البحث والتحليل والتقصي.
تجربة متضرر
مع توالي الأنباء والتقارير بشأن تضرر العديد من الأشخاص جراء اتباع ما يُعرف بـ “نظام الطيبات” الغذائي، تواصلت صحيفة “البلاد” مع أحد ضحايا هذا النظام، الشاب المصري محمد خليفة، الذي تصدرت قصته وسائل الإعلام والمواقع الصحافية المصرية عقب انتشار مقطع فيديو يوثق معاناته.
يُعاني الشاب محمد خليفة مشكلات صحية مزمنة تتمثل في التهاب القولون والمعدة، بالإضافة إلى إصابته بجرثومة المعدة.
وقد تعرّف على “نظام الطيبات” لأول مرة عبر مقاطع الفيديو المنتشرة للدكتور ضياء العوضي، وعقب الضجة الواسعة التي أُثيرت بعد وفاة العوضي، قرر خليفة تطبيق هذا النظام الغذائي تلقائيا ودون مراجعة أي مستشار طبي؛ مدفوعا برغبته في التخلص من آلامه ومشكلاته الصحية، فقام بإيقاف كل أدويته العلاجية تماما وتغيير نمط حياته بالكامل.
انخرط خليفة في تطبيق محظورات النظام، فامتنع عن تناول الدجاج، والبيض، والخيار، والجزر، وغيرها من الأغذية الشائعة.
وفي المقابل، اعتمد بشكل أساسي على اللحوم والأجبان، مع الحرص على تناول “النوتيلا” في الصباح الباكر إلى جانب الأطعمة الأخرى التي يسمح بها النظام.
الانتكاسة الطبية
لم يكد يمضي الأسبوع الأول على اتباع هذا النمط حتى بدأت بوادر الانتكاسة تظهر على جسده، إذ شعر بتعب وإنهاك شديدين، وفقدان ملحوظ في الوزن، مصحوبًا بعسر هضم حاد وآلام شديدة في المعدة.
وعند توجهه إلى المستشفى لإجراء الفحوصات الطبية اللازمة، جاءت الصدمة بتشخيص الأطباء لحالته بوجود إجهاد والتهاب حاد في البنكرياس، إلى جانب عسر الهضم.
واضطر خليفة بعد هذه الانتكاسة إلى اللجوء للمسكنات والعودة مجددا إلى بروتوكوله العلاجي والدوائي السابق، وعلى رغم ذلك، لا تزال الأعراض والتعب مستمرة معه حتى الآن.
واختتم خليفة حديثه بتوجيه نصيحة تحذيرية شديدة اللهجة، مؤكدا أنه لا ينصح مطلقا بتجربة هذا النظام الغذائي، ومشددا على ضرورة عدم تصديق أو اتباع كل ما يُنشر على منصات التواصل الاجتماعي دون الرجوع إلى الأطباء المتخصصين والتحقق من صحة المعلومات من مصادرها العلمية.
حب التجربة
كان التساؤل الأول الذي تبادر إلى الأذهان في بداية هذا التحقيق الصحافي هو: هل يحظى هذا النظام الغذائي بجمهور ومؤيدين داخل مملكة البحرين؟
في عملية الرصد والتقصي، رصدت “البلاد” انتشارا لافتا لإعلانات تسويقية لـ “مشروعات منزلية” بحرينية تقدم أطعمة ومأكولات مخصصة لحمية “الطيبات”؛ الأمر الذي أكد أن النظام بات واقعا وله حضور ملموس في الشارع البحريني.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الاستهلاك، بل تفاجأنا بوجود مدافعين بحرينيين ينشطون بقوة على منصات التواصل الاجتماعي للتصدي لأي انتقاد يوجه للنظام، وعبر هذه المنصات نجحت الصحيفة في الوصول إليهم.
اختبار الجسد
من بين المدافعين البارزين الذين التقيناهم، المواطنة (ن.ب)، وهي اختصاصية إرشاد اجتماعي ونفسي و “مدربة حياة” تقدم برامج ودورات في تطوير الذات، والوعي، والعلاقات، والتشافي النفسي.
تعرفت (ن.ب) على نظام الطيبات بالعام 2023، وبدأت تطبيقه فعليا في التاسع من فبراير بالعام ذاته، وما زالت مستمرة عليه حتى اليوم.
وعن دافعها لتبني هذا النظام، علقت قائلة: “أحب أن أجرّب وأختبر جسدي”.
وأكدت في سياق حديثها أن البرنامج سهل التطبيق للغاية، ولم تواجه أي صعوبة تذكر في الالتزام بمحدداته، مشيرة إلى أنها حصدت نتائج إيجابية ملموسة، تمثلت في اختفاء أعراض القولون وحساسية الجلوتين، إلى جانب شعورها بزيادة ملحوظة في النشاط والطاقة.
كما أوضحت أن النظام لا يمنع الحبوب أو الزيوت النباتية، معتبرة أن ما يُشاع عن ذلك يفتقر إلى الدقة.
دفاع مستميت
وفنّدت الاختصاصية الاتهامات الموجهة للنظام بكونه غير متوازن غذائيا، معتبرة أن التجربة العملية هي خير برهان، ولافتة إلى أنها متخصصة في التغذية وأن جسمها هو “سيد الموقف”.
وتساءلت مستنكرة: “هناك العديد من البرامج الغذائية الشائعة مثل (الكيتو)، و(الكارنفور)، والحمية النباتية، ولم ينل أي منها حجم الانتقاد اليومي الذي يواجهه برنامج الطيبات، على الرغم من أنه نظام موافق للطب النبوي. في النهاية، كل إنسان حر في اختياراته وفي انتقاء البرنامج الذي يراه مناسبا له”.
وردًّا على مواجهة بالدليل بمقاطع الفيديو المنتشرة للدكتور ضياء العوضي التي يدعو فيها صراحة إلى وقف تناول الأدوية، سوّغت (ن.ب) ذلك بالقول إن الدكتور كان يتحدث بصفة عامة عن الأضرار الجانبية للأدوية، وأنه كان يوجه بوقفها بناء على متابعة دقيقة وخطوات تدريجية، مستشهدة بوجود مقاطع فيديو عديدة يظهر فيها العوضي وهو يحذر بشكل قطعي من قطع الإنسولين بصورة مفاجئة.
واختتمت الاختصاصية حديثها بدعوة كل من يفكر في تجربة هذا النظام إلى تجاوز مخاوفه وخوض التجربة بنفسه، مؤكدة مجددا قاعدة أن الإنسان حر في خياراته الشخصية.
الفضول المعرفي
في السياق ذاته، أفادت مشاركة أخرى فضّلت التعريف عن نفسها بالحروف (ي.ع)، وهي مقيمة مصرية في مملكة البحرين، بأنها انضمت إلى متبعي هذا النظام مدفوعة بـ “الفضول المعرفي” عقب الضجة الإعلامية الواسعة التي أُثيرت بعد وفاة الدكتور ضياء العوضي.
وكان الهدف الأساسي من تجربتها هو البحث عن حل جذري لمعاناتها المزمنة مع الصداع النصفي واضطرابات القولون.
ووصفت (ي.ع) نتائج الأسبوع الأول من التطبيق بـ “الإيجابية والملموسة”، إذ تخلصت تماما من انتفاخات البطن والتقلصات المعوية المصاحبة لتناول الطعام، وتحسنت جودة نومها واختفى الأرق، إضافة إلى شعورها الحاد بالنشاط وزوال الخمول، وبدء استعادة قوامها لتوازنه الطبيعي.
وقالت المتحدثة إن تلاشي نوبات الصداع النصفي كان الإنجاز الأكبر في تجربتها، ما مكنها من التوقف التام عن تعاطي المسكنات القوية بشكل يومي، كما أوقفت تناول المكملات الغذائية والفيتامينات، لافتة إلى أنها كانت تتبع نظاما غذائيا صحيا وعضويا (Organic) قبل هذه التجربة، ومع ذلك لم يضع حدا لمعاناتها السابقة.
ودافعت (ي.ع) عن الفلسفة الطبية للنظام قائلة: “إن الدكتور ضياء كان يعالج جذور المسببات لا الأعراض الظاهرة، ولم يكن يطالب المرضى بإيقاف أدويتهم قسرا، بل كان يدعو لاتباع النظام الغذائي، عادًّا انضباط قراءات السكر التلقائي هو ما يقلل حاجة الجسم الفعلية للإنسولين”. ووجهت نصيحة للمنتقدين بضرورة خوض التجربة قبل إطلاق الأحكام، مؤكدة أنها لا يمكنها العودة إلى نمط حياتها السابق بعد ما لمسته من فوائد.
شعور بالخفة
من جهتها، انضمت خلود عبدالله، المدربة في الإرشاد الأسري والتنمية البشرية، إلى قائمة المؤيدين للنظام، إذ أوضحت لـ “البلاد” أنها تعرفت على “نظام الطيبات” عبر منصتي “يوتيوب” و “تيك توك” قبل وفاة الدكتور العوضي، وجذبها خوض التجربة بناء على الوعود والنتائج التي كان يطرحها لمتابعيه.
وعن مرجعيتها الطبية قبل البدء، قالت عبدالله: “لم أستشر أي طبيب أو متخصص قبل خوض التجربة، لأنني مسؤولة عن قراراتي ونفسي، وأمتلك خلفية معرفية واسعة عن التغذية اكتسبتها من تجاربي الشخصية”.
وأشارت إلى أنها لم تواجه مشقة في التأقلم مع الحمية لكونها تعتمد أساسا على نمط غذائي صحي في الأصل، واقتصر التحدي بالنسبة لها على التوقف عن تناول البيض والسلطة الخضراء اللذين كانت تعشقهما.
وعن المخرجات البدنية للتجربة، رصدت عبدالله شعورا عاما بالخفة في الجسد، والاستغراق في نوم عميق، وارتفاع معدلات الطاقة واللياقة البدنية أثناء ممارسة التمارين الرياضية، بالإضافة إلى ظهور بشرتها بمظهر أكثر شبابا ونضارة، متزامنا مع انخفاض وزنها وتخلصها من الدهون الموضعية بشكل لاقى انتباه المحيطين بها.
وردًّا على الأطروحات العلمية التي ترى أن النظام ينطوي على مبالغة في حظر بعض الأغذية الأساسية، أكدت عبدالله عدم وجود أي اعتراض لديها، وذلك لحبها لخوض وتجربة كل شيء قد يسهم في تغيير قناعاتها الفكرية وينفعها في نهاية المطاف، مشددة على أن نظام الطيبات يُعد “متوازنا كليا” من وجهة نظرها، وأن الجسم البشري لا يحتاج إلى عناصر أكثر مما هو متاح وموجود داخل هذا النظام.
واختتمت المستشارة الأسرية حديثها بطرح تساؤل يحمل أبعادًا منطقية قائلة: “أنا أتفق مع مقولة أنه لا يوجد برنامج غذائي واحد يتلاءم مع الجميع، ولكن ما المانع إذا كان الإنسان مُدخلا في دوامة إدمان الأدوية الكيميائية، وحالته الصحية تتدهور من سيئ إلى أسوأ، أن يبادر بتجربة نظام جديد قد يحمل له الشفاء والفائدة؟”.
تحت المجهر
لوضع نظام “الطيبات” في ميزان العلم والطب التخصصي، التقت “البلاد” بالدكتورة فاطمة الحداد اختصاصية التغذية الإكلينيكية، لتفكيك مبادئ هذه الحمية وبنيتها الغذائية من منظور علمي ومخبري.
أوضحت الحداد أن “حمية الطيبات” تُروَّج في الفضاء العام على أنها نهج غذائي طبيعي يرتكز على استهلاك الأطعمة النظيفة وتجنب المنتجات المصنعة والسكريات المكررة وبعض الأغذية الحديثة. أما من الناحية العلمية الصرفة، فهي تصنف كإحدى “حميات الإقصاء الغذائي” (Elimination Diets) المدمجة بمبادئ التغذية القائمة على الأطعمة الكاملة.
وأشارت إلى أن الحمية تركز إجمالا على تقليل أو إلغاء السكر والمواد الحافظة والإضافات الكيميائية، وتشجيع تناول الأطعمة الطبيعية الكاملة وقليلة التصنيع، مع استبعاد مجموعات غذائية حيوية مثل الغلوتين، والألبان، والزيوت النباتية في حالات معينة.
وأكدت الحداد أن هذا النظام يُعد أقرب إلى نمط حياة غذائي منه إلى بروتوكول علاجي طبي معتمد، فعلى الرغم من رصد تحسن موضعي لدى بعض الأفراد، إلا أن الحمية غير معترف بها رسميا كعلاج تغذوي طبي معياري لأي نوع من الأمراض المحددة.
المدخلات السامة
وبيّنت الاختصاصية أن هذا النهج يقوم على تقسيم حاد للأغذية إلى مجموعتين: “الطيبات” و “الخبيثات”، إذ ينطلق مؤيدو النظام من فرضية مفادها أن إزالة ما يصفونه بـ “المدخلات السامة” تمنح الجسم القدرة على الشفاء الذاتي طبيعيا دون الحاجة إلى التدخلات الطبية الحديثة.
وتتحدد القواعد البنيوية للحمية في:
- ربط الأكل بالجوع الفعلي: تناول الطعام فقط عند الشعور بالجوع، ما يحفز آلية “الصيام المتقطع التلقائي” عبر إلغاء الوجبات الخفيفة (Snacks).
- تدوير الأغذية: عدم تكرار الصنف الغذائي نفسه يوميا، وتدوير المسموحات على مدار الأسبوع لتفادي الحساسية الغذائية، باستثناء مواد استراتيجية ثابتة كالأرز والتمر والبطاطس.
- مناهضة الأدوية: تشجيع نمط حياة خالٍ من العقاقير الطبية، بناء على رؤية مؤسس النظام الدكتور ضياء العوضي بأن التغذية وحدها كفيلة بالتحكم في الأمراض المزمنة.
خريطة المحظورات
وأوضحت الدكتورة الحداد أنه، على خلاف التوصيات العلمية والغذائية العالمية المستقرة، تعمد هذه الحمية إلى استبعاد طيف واسع من الأغذية التي تُصنف عادة كأطعمة صحية، وأطلقت عليها قائمة “الخبيثات”.
وتشمل هذه المحظورات الخضراوات الورقية، والبقوليات بكل أنواعها، ومعظم الخضراوات الشائعة، بالإضافة إلى الدجاج والبيض والمأكولات البحرية كالقشريات والرخويات مثل الروبيان والحبار. ويمتد المنع ليشمل القمح ومشتقات الطحين كالخبز والمعكرونة والمخبوزات، فضلا عن الألبان الطازجة مثل الحليب، واللبن، والأجبان الطازجة، والقشطة الحامضة، وصولا إلى بعض الفواكه كالبطيخ والشمام، بجانب الشاي الأسود والمشروبات الغازية.
قائمة المسموحات
وفي المقابل، يقتصر النظام الغذائي وفقا للحداد على مجموعة محددة وخاصة من الأطعمة المسموح بها (الطيبات)، وتتمثل في الكربوهيدرات وتحديدا خبز النخالة والأرز بجميع أنواعه والبطاطس بكل أشكالها.
كما يسمح النظام بتناول اللحوم الحمراء مثل لحم الغنم، والبقر، والجمل، والحمام، والكبدة، مع إتاحة الأسماك بنسب محدودة للغاية يفضّل ألا تتجاوز المرة الواحدة شهريا. وتضم القائمة أيضا الألبان المطبوخة والدهون كالزبدة الطبيعية وزيت الزيتون والأجبان الصلبة والمعتقة مثل “الشيدر”. أما الفواكه والسكريات المتاحة فتنحصر في التمر، والعنب، والموز، والفراولة، والتين، والعسل، والمربى، بالإضافة إلى الجوافة والرمان بشرط نزع البذور منهما، ويُسمح بالشاي الأخضر كمشروب رئيس.
وحذّرت الدكتورة فاطمة الحداد من التبعات السلبية الناتجة عن إقصاء هذه المجموعات الكبرى، مؤكدة أن الالتزام الصارم بالحمية دون إشراف طبي مباشر يرفع منسوب المخاطر الصحية التالية:
- نقص الكالسيوم وفيتامين “د”: نتيجة الاستبعاد الواسع لمنتجات الألبان الطازجة.
- نقص الألياف والفيتامينات الأساسية: جراء حظر الحبوب الكاملة والخضراوات الورقية.
- سوء توزيع المغذيات: احتمالية حدوث نقص في حيوية المعادن كالحديد والزنك، والأحماض الدهنية الأساسية، فضلا عن اضطراب الكربوهيدرات الصحية اللازمة لتوليد طاقة الجسم.
واختتمت اختصاصية التغذية الإكلينيكية حديثها لـ “البلاد” بتقييم شامل قائلة: “إن هذا النظام يمثل مزيجا غير متوازن؛ يدمج بين مبادئ مقبولة علميا مثل محاربة الأطعمة فائقة التصنيع، وبين ادعاءات وقيود غذائية فضفاضة لا تدعمها الأدلة العلمية أو البراهين الطبية. هو أقرب إلى فلسفة أو تجربة شخصية جرى تعميمها، وليس إطارا طبيا قائما على الدليل القاطع”.
ونبّهت الحداد إلى وجود خلط واضح في الفضاء الرقمي بين مفهوم “الأكل غير الصحي” وبين “أطعمة طبيعية صحية يتم شيطنتها عمدا”، لافتة إلى أن النقاشات عبر الإنترنت تعمد إلى تبسيط علوم التغذية المعقدة بشكل مفرط ومخل.
وشددت في نهاية المطاف على ضرورة توخي الحذر الشديد من أي حمية تدّعي قدرتها على “الشفاء الشامل”، أو تفرض حظرا عشوائيا على الأغذية دون مسوّغ طبي واضح، أو تثني المرضى عن التماس الاستشارات الطبية الفردية، مؤكدة أنه ليس كل شخص بحاجة لإقصاء الغلوتين أو الألبان أو الزيوت، ما لم يكن هناك تشخيص سريري يثبت وجود حساسية أو عدم تحمل غذائي أو حالة مرضية تستدعي ذلك قانونيا وطبيا.
غياب الرقابة
وفي سياق متصل، أكدت اختصاصية التغذية العلاجية نائب رئيس جمعية أصدقاء الصحة أريج السعد، أن غياب الرقابة على المحتوى التغذوي في الفضاء الرقمي ساعد على انتشار هذه الأفكار بسرعة.
وأضافت أن العيادات بدأت ترصد حالات تضررت فعليا من هذه الحميات الإقصائية، ومن أبرزها:
- ارتفاع حاد في الكوليسترول والدهون الثلاثية: نتيجة الإفراط في تناول الدهون الحيوانية.
- سوء تغذية ونقص حاد في الفيتامينات: خاصة فيتامينات B والحديد، بسبب قطع البقوليات والنشويات المعقدة.
- اضطرابات هضمية شديدة: كالإمساك المزمن الناتج عن غياب الألياف.
ولفتت السعد إلى أنه، من منظور علم التغذية الحديث، لا يوجد أي أساس علمي أو دراسة سريرية منشورة تدعم نظام “الطيبات” كمنظومة علاجية متكاملة.
وأوضحت أن الأدلة الحالية تعارض مبادئ هذا النظام تماما، فعلم التغذية القائم على الدليل (Evidence-Based Nutrition) يمتلك آلاف الدراسات التي تثبت فوائد البقوليات والخضراوات التي يمنعها النظام، لما تحتويه من مضادات أكسدة وألياف غذائية.
وكشفت الاختصاصية عن أن النظام يتعارض بشكل صارخ مع التوصيات العالمية، مثل توصيات منظمة الصحة العالمية (WHO) وجمعية القلب الأميركية (AHA)، وتحديدًا في ركيزتي التنوع والتوازن، إذ يفتقر النظام إلى التنوع بسبب الحظر الشامل لمجموعات غذائية كاملة كالقمح الكامل والبقوليات وبعض الخضراوات. وتابعت أن منع البقوليات وقشور الخضراوات يؤدي إلى نقص حاد في الألياف، وهي المحرك الأساسي لصحة القولون والميكروبيوم (البكتيريا النافعة).
وأردفت السعد أنه لا توجد أي أبحاث علمية تربط نظام “الطيبات” بالوقاية من السرطان أو تحسين نتائجه، بل على العكس، فإن استبعاد الخضراوات والفواكه والبقوليات الغنية بالمركبات النباتية (Phytochemicals) ومضادات الأكسدة يحرم الجسم من مركبات أثبت العلم دورها في حماية الخلايا من التسرطن.
وأكدت أن الادعاء بـ “تدمير الخلايا السرطانية” عبر هذا النظام هو ادعاء تسويقي خطير يفتقر تماما إلى الأدلة السريرية.
وعود وردية
ولفتت إلى أن علم النفس التغذوي يفسر انجذاب المجتمع لهذه الحميات بأسباب عدة، منها البساطة والوعود الوردية، إذ تُقدَّم كحل سحري وسريع لجميع الأمراض من السمنة إلى السرطان، ما يمنح المريض أملًا زائفا.
كما يلعب التأثير النفسي (Placebo Effect) دورا في ذلك، إذ إن قطع الأطعمة المصنعة والوجبات السريعة -وهي خطوة مشتركة في معظم الحميات- يجعل الشخص يشعر بتحسن أولي، فيعزو هذا التحسن إلى النظام ككل، وليس إلى التوقف عن تناول الوجبات الضارة. كذلك تسهم “كاريزما” المسوّقين عبر الاعتماد على لغة عاطفية أو دينية تلامس مشاعر الناس.
وحذرت السعد من أن الالتزام الصارم بهذه الأنظمة يقود مباشرة إلى ما يُعرف بـ “أورثوريكسيا” (Orthorexia Nervosa) وهي هوس الأكل الصحي النقي، إذ إن تقسيم الطعام إلى “طّيب” و “خبيث” يخلق شعورا عارما بالذنب والخوف عند تناول أي طعام خارج القائمة، ما يؤدي إلى عزلة اجتماعية واضطرابات سلوكية خطيرة تجاه الأكل.
وفي مقارنة علمية، أوضحت السعد أن نظام “الطيبات” يقوم على فكرة تصنيف الأطعمة بشكل حاد، إذ يركز على اختيار أطعمة معينة يراها “طيبة” ومفيدة للجسم ويمنع تماما أطعمة طبيعية أخرى يصنفها على أنها “خبيثة” أو ضارة، وذلك دون الاهتمام بحساب نسب “الماكروز” (الكربوهيدرات، والبروتينات، والدهون) في الوجبات.
في المقابل، فإن نظامي “الكيتو” و “اللو-كارب” قائمان على أسس أيضية وعلمية واضحة، إذ يعتمدان أساسًا على الخفض الصارم لنسبة الكربوهيدرات لدفع الجسم إلى الدخول في الحالة الكيتونية (Ketosis)، والاعتماد على الدهون كمصدر رئيس للطاقة بدلا من الجلوكوز.
الالتقاء: يلتقي نظام “الطيبات” مع “الكيتو” و “اللو-كارب” في نقطتين: السماح بتناول الدهون الحيوانية والبروتينات بشكل واسع، ورفض أو تقليل بعض أنواع النشويات والكربوهيدرات المعقدة (مثل القمح ومشتقاته).
الاختلاف في السكريات: يختلف “الطيبات” في أنه يسمح بشكل واسع بتناول السكريات البسيطة وسريعة الامتصاص (مثل العسل الطبيعي، والتمر، والفواكه المقشورة)، بينما يمنعها “الكيتو” تماما وبشكل صارم، لأن تناول العسل أو التمر يؤدي لارتفاع هرمون الإنسولين وخروج الجسم فورا من الحالة الكيتونية.
الاختلاف في الخُضر والبقوليات: يمنع نظام “الطيبات” الخضراوات الورقية والبقوليات، في حين يسمح نظام “الكيتو” بالخضراوات الورقية، ويسمح نظام “اللو-كارب” بالبقوليات بوصفها مصادر ممتازة للألياف والبروتين النباتي.
نصائح طبية
ونصحت السعد بالتريث وعدم الانجراف وراء هذا النظام لمن يفكر في تجربته، موضحة أن الجسم البشري معقد، وأن حرمانه من مجموعات غذائية أساسية قد يعطي نتائج إيجابية مؤقتة، مثل نزول الوزن بسبب تقييد السعرات الحرارية، لكنه قد يسبب أضرارا على المدى الطويل. وشددت على ضرورة استشارة اختصاصي تغذية مرخص قبل تبني أي حمية إقصائية.
وحذرت الاختصاصية من أن هناك فئات يمثل هذا النظام خطرا مباشرا على صحتها، وهي:
- مرضى السكري: بسبب السماح العالي بالسكريات البسيطة (العسل والتمر) التي تسبب قفزات حادة في سكر الدم.
- مرضى القلب وارتفاع الكوليسترول: لاعتماد النظام على الدهون الحيوانية المشبعة بصورة قد ترفع الكوليسترول الضار (LDL).
- الحوامل والمرضعات والأطفال: بسبب خطر نقص المغذيات الدقيقة (الفيتامينات والمعادن) الضرورية للنمو.
- مرضى الكلى: بسبب عدم توازن نسب البروتين والمعادن.
حمية واحدة
من جانبه، أكد محمود الشواي اختصاصي تعزيز الصحة والتغذية، أنه لا توجد حمية غذائية واحدة تناسب البشر جميعا، موضحا أن ما يمنعه نظام “الطيبات” كالبقوليات -على سبيل المثال- قد يكون غذاء ممتازا لشخص ما، بينما يسبب إزعاجا لآخر مصاب بالقولون العصبي الشديد.
ولفت الشواي إلى أن الشفاء أو التحسن المؤقت الذي يختبره بعض متبعي هذا النظام غالبا ما يعود إلى ما يُعرف بـ “تأثير الاستبعاد”، وشرح ذلك بأن الشخص عندما يقطع عشرات الأصناف الغذائية دفعة واحدة، فإنه بالضرورة يقطع الصنف المعين الذي كان يسبب له الحساسية أو التهيج دون أن يدري، فيشعر بالراحة بعد ذلك. وأكد أن هذا التحسن لا يعني أبدًا أن بقية الأطعمة الممنوعة هي أطعمة “خبيثة” أو ضارة للجميع.
تصرف خطير
ومن جانب آخر، أكدت الدكتورة ابتهال يوسف استشارية أمراض الغدد الصماء والسكري والطب الباطني، أنها بصفتها طبيبة غدد وسكري ترى أن أي نظام غذائي يشجع على تقليل الأطعمة المصنعة والسكريات المضافة وتحسين جودة الغذاء يحمل جانبا إيجابيا، لكن تحفظها على “حمية الطيّبات” يبدأ عندما تُقدَّم كبديل للعلاج الطبي أو كوسيلة لإيقاف أدوية السكري، كالإنسولين وأدوية الضغط وغيرها، دون إشراف متخصص، مشددة على أن هذه الدعوة تصرف خطير قد يهدد حياة المرضى وليست اجتهادا طبيا.
وأوضحت أن التوصيات العالمية في علاج السكري تؤكد أن الخطة الغذائية جزء مهم من العلاج، لكنها يجب أن تكون فردية ومبنية على أدلة علمية محكمة، مع مراعاة حالة المريض وأدويته ومضاعفاته.
وقالت: “إن إيقاف الإنسولين أو أدوية السكري دون إشراف طبي قد يؤدي إلى ارتفاع شديد في السكر، والجفاف، والحموضة الكيتونية، أو مضاعفات خطيرة، خصوصا لدى مرضى السكري من النوع الأول، والحوامل، ومرضى الكلى، وكبار السن”.
وأشارت كذلك إلى أنها لا ترى أن الاعتماد على العطش فقط لشرب الماء مناسب للجميع، لأن العطش قد يكون مؤشرا متأخرا للجفاف، خصوصا لدى كبار السن ومرضى السكري والكلى.
وأضافت أنه يمكن الاستفادة من فكرة العودة إلى الأكل الطبيعي وتقليل الأطعمة المصنعة، لكن لا ينبغي تعميم الحمية أو استخدامها بعيدا عن التقييم والمتابعة الطبية.
مشكلات صحية
وفي السياق ذاته قال الدكتور وئام حسين استشاري أمراض السكري والغدد الصماء الحاصل على البورد الأميركي في الغدد الصماء والسكري نائب رئيس الرابطة العربية للغدة الدرقية رئيس اللجنة العلمية، إن حمية الطيبات تعتمد على الأكل الطبيعي مثل اللحوم والألبان والفواكه، مع تقليل السكر والأطعمة المصنعة والزيوت الصناعية.
ولفت إلى أن الجدل بشأن هذه الحمية يعود إلى أن بعض الأشخاص يبالغون في تطبيقها ويمتنعون عن الخضراوات والحبوب والألياف تماما.
وأضاف أن المؤيدين يرون أنها تساعد على نزول الوزن، وتحسين مستويات السكر، وزيادة الشعور بالشبع، بينما يرى المعارضون أن كثرة الدهون الحيوانية وقلة الألياف قد تضر القلب وترفع الكوليسترول وتؤثر سلبا في القولون على المدى الطويل.
وأكد أن الخلاصة تتمثل في أن تقليل الأطعمة المصنعة مفيد جدا ويساعد على الوقاية من أمراض عديدة، لكن التطرف في أي حمية قد يسبب مشكلات صحية.
التئام الجروح
ومن ناحية أخرى قال الدكتور علي ضيف استشاري الجراحة العامة والمناظير أن من المآخذ على نظام الطيبات من الناحية الطبية تأثيره في فسيولوجية الجسم، إذ قد يؤدي إلى نقص كبير في البروتينات والدهون الصحية، ونقص حاد في الفيتامينات والمعادن الأساسية، مثل فيتامين “B12”، والحديد، والكالسيوم، ما قد يسبب فقر الدم، أو ما يُعرف بالأنيميا، وهشاشة العظام.
كما يتسبب في خسارة كبيرة في الكتلة العضلية، لأنه يقلل كمية البروتينات، فلا يتم تأمين الأحماض الأمينية الأساسية، ما يؤدي إلى ضعف البنية الجسدية، وإبطاء عملية الأيض أو التمثيل الغذائي.
ولفت إلى أنه قد يسبب قفزات حادة في مستوى السكر بالدم يتبعها هبوط مفاجئ، لأن هذا النظام يعتمد بشكل مفرط على استهلاك الكربوهيدرات والسكريات البسيطة، وهو ما يشكل خطورة عالية، خصوصا على مرضى السكري من النوعين الأول والثاني، وكذلك المرضى الذين يعانون مقاومة الإنسولين.
أما عن تأثيره السلبي في المناعة والهرمونات، فمن المعروف أن الدهون الصحية والبروتينات تمثل حجر الأساس لإنتاج الهرمونات وتجديد خلايا الجهاز المناعي، وبالتالي فإن تقليلها قد يؤدي إلى ضعف قدرة الجسم على مقاومة الأمراض.
وقال “أنا جراح، ومن الطبيعي أن أعرف تأثير هذا النظام في الإنسان، خصوصا المريض الذي يجري عملية جراحية، إذ يؤثر في التئام الجروح ويؤخره بسبب نقص البروتين، ما يقلل إنتاج الكولاجين الذي يساعد على التئام الجروح، كما يزيد خطر الإصابة بالعدوى نتيجة انخفاض المناعة”.
وأشار إلى أن المرضى الذين يحتاج تعافيهم إلى مجهود عضلي أو حركي، مثل من يجرون عمليات العظام، قد يواجهون صعوبة في التعافي لأن الكتلة العضلية تتأثر بسبب نقص البروتين.
وأفاد بأن هذا النظام يؤثر كذلك في توازن السوائل وديناميكيتها داخل الجسم نتيجة نقص البروتين، ما قد يسبب تورمات في الأطراف، وصعوبة في التحكم بضغط الدم أثناء الجراحة وبعدها.
واختتم بتأكيد أن حمية “الطيبات” تفتقر إلى التوازن الغذائي المبني على أدلة علمية، وقد تعرض الجسم لمشكلات صحية، وصعوبة في التعافي بعد العمليات، واختلال في توازن الكربوهيدرات والبروتينات والدهون الصحية، ما يؤثر سلبا في الوظائف الحيوية للجسم.