العدد 6450
الجمعة 12 يونيو 2026
تجاوز النماذج التقليدية في تسوية النزاع اللبناني-الإسرائيلي
الجمعة 12 يونيو 2026

أولا: الإشكالية القانونية للأطر المؤقتة في النزاعات القائمة

في 27 تشرين الأول (أكتوبر) 2022، وقع لبنان وإسرائيل على اتفاق ترسيم الحدود البحرية بوساطة أمريكية، وهو حدث وُصف بأنه “إنجاز تاريخي”، لكن بعد حرب 2024 المدمرة، يظل السؤال: هل يشكل هذا الاتفاق نموذجاً قابلاً للتطوير نحو تسوية مستدامة، أم أنه مجرد “سدٍّ جغرافي” مؤقت في صراع إقليمي معقد؟

رغم أهمية اتفاق 2022، فإنه بتحليل بنوده وأسسه القانونية يتبين أن عيوبه: الشكلية مثل (الفقرة الثانية من ديباجة الاتفاق، الفقرة (هـ) من القسم الأول و الفقرة (د) من القسم الأول تلزم الطرفين بعدم تقديم أي مذكرة مستقبلية للأمم المتحدة تتعارض مع الاتفاق): وعيوبه الموضوعية مثل (الاعتراف غير المباشر بالخط الأزرق فالفقرة (ب) من القسم الأول تنص على الحفاظ على “الوضع الحالي قرب الشاطئ كما هو، بما في ذلك على طول خط العوامات البحرية الحالي، هيمنة إسرائيل على حقل قانا الفقرة (ج) من القسم الثاني تمنح إسرائيل حق بدء التنقيب في “الخزان المحتمل” (Block 72) فوراً وحرمان لبنان من حقه في التعديل بموجب الفقرة (د) من القسم الأول، تخلى لبنان عن حقه في تعديل الخرائط أو الإحداثيات): وعيوب مفردات المصطلحات القانونية التي تم استخدامها من حيث التفسير والتطبيق وغياب آلية واضحة لحل الخلافات والمنازعات وتصنيفها جعلته عرضة للانهيار.

ثانيا: لماذا فشلت الآليات الحالية؟

قبل اقتراح إطار قانوني جديد، يجب الاعتراف بإخفاقات الأطر القائمة:

1 - 1701: نموذج هش تجاوزه الزمن

القرار 1701 لعام 2006 كان حلاً تكتيكياً أوقف الحرب لكنه لم يعالج جذور الصراع. تجربته علمتنا دروساً مهمة:

الاعتماد على الجيش اللبناني وحده غير كافٍ لضمان الاستقرار في الجنوب دون دعم دولي كبير.

إسرائيل تتعامل بعداء متزايد مع الأمم المتحدة وقوات اليونيفيل، كما أثبتت الهجمات غير المسبوقة على هذه القوات في حرب 2024. 

2 - النموذج القبرصي: سابقة خطيرة

الاتفاق البحري اللبناني - القبرصي لعام 2007 الذي أعادت حكومة نواف سلام تفعيله في 2025 أثار انتقادات واسعة. وفقاً لتحليلات قانونية، هذا الاتفاق:

تبنى خط المنتصف كأساس للترسيم، متجاهلاً مبدأ الإنصاف (Equity) الذي تنص عليه المادتان 74 و83 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS).

لم يأخذ في الاعتبار الظروف الخاصة للسواحل اللبنانية القصيرة مقارنة بقبرص.

تنازل عن حوالي 5000 كيلومتر مربع من الجرف القاري اللبناني لحساب قبرص، ومنها إلى إسرائيل عبر الاتفاق القبرصي - الإسرائيلي لعام 2010.

هذه السابقة تُظهر خطورة الاتفاقات الثنائية غير المتوازنة.

ثالثا: الاتفاق المؤقت ليس بديلاً عن الإطار المستدام

أثبتت السنوات الثلاث الماضية أن الاتفاقات التقنية المؤقتة، مهما كانت متقدمة، لا يمكنها الصمود أمام الرياح السياسية والعسكرية العاتية. لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:

الخيار الأول: الاستمرار في نهج “التفاهمات” المؤقتة التي تخدم الطرف الأقوى وتُضعف الدولة، مع انتظار الانهيار التالي.

الخيار الثاني: السعي لصياغة إطار قانوني مستدام قائم على التوازن الوظيفي والضمانات المتعددة الأطراف وآليات فض النزاعات التصاعدية، مدعم برؤية دبلوماسية خارجية (لإشراك جميع الأطراف الفاعلة، في إطار من القواعد وليس الاستسلام). لكنه الخيار الوحيد الذي يمنع تحويل لبنان إلى “دولة فاشلة” في قلب منطقة ملتهبة.

رابعا: لماذا نحتاج إلى “قفزة نوعية” وأطر مبتكرة وليس تحسينات تدريجية؟

بعد تحليل الاتفاقيات السابقة وعيوبها، نطرح سؤالا جوهريا هل هناك أفكار قانونية “خارجة عن الصندوق” بالكامل؟ أفكار لا تستورد نماذج من قبرص أو النرويج أو كوسوفو، بل تُنتج تصوراً أصيلاً يتناسب مع خصوصية النزاع اللبناني-الإسرائيلي في ظل تداخل ثلاثي (أميركا-إسرائيل-إيران)؟

بالحقيقة هناك ثلاث نظريات قانونية جديدة نوعياً لم تُطرح سابقاً في الأدبيات الأكاديمية أو الدبلوماسية، مثل قواعد “السيادة المشروطة بالمرونة” (Conditional Flexibility Sovereignty)، قواعد”العقود المؤمنة متعددة الأطراف” (Insured Multilateral Contracts – IMC) التي تعمل على تحويل الاتفاق السياسي إلى عقد مؤمن ضد مخاطر الانهيار، قائم على فلسفة “تأمين المخاطر الجيوسياسية” (Geopolitical Risk Insurance) التي تقدمها شركات مثل MIGA (التابعة للبنك الدولي)، لكن على مستوى الدول وليس الشركات. والقاعدة أو النظرية الثالثة “اللامركزية القانونية عبر العقود الذكية” (Legal Decentralization via Smart Contracts تستفيد هذه النظرية من تقنيات البلوكشين والعقود الذكية (Smart Contracts) لخلق نظام قانوني آلي، شفاف، وغير قابل للاختراق من قبل البشر. بدلاً من الاعتماد على قضاة أو لجان سياسية قد تكون متحيزة، تُنفذ الالتزامات ويتابع المخالفات ويوقف تنفيذ العقد أو المدفوعات أو الامتيازات تلقائياً والكترونيا بواسطة كود برمجي.

هذه الأطر القانونية المقترحة و الجديدة نوعياً، تثبت أن هناك إمكانات غير مستغلة في التقاطع بين القانون الدولي، الاقتصاد السلوكي، والتقنيات الناشئة.

الرسالة الأهم: الإطار القانوني المستدام يحتاج إلى دولة لبنانية قادرة على الالتزام، وإقليمية مستعدة للقبول، ودولية راغبة في الضمان. بدون هذه الثلاثة، تبقى حتى الأفكار الأكثر ابتكاراً حبراً على ورق.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .