العدد 6452
الأحد 14 يونيو 2026
ماذا كان كينز سيقول عن التريليونير إيلون ماسك؟
الأحد 14 يونيو 2026

لو كان الاقتصادي جوزيف شومبيتر، الذي انتقده كينز انتقادا مرًّا، حيًّا لمَجّد إيلون ماسك كـنموذج مثالي للريادي الذي يدفع عجلة التقدم الاقتصادي من خلال التدمير الخلاق، وكان سيراه شاهدًا حيًا على صحة نظريته. في الوقت نفسه، كان سيحذر من أن ماسك  -بنجاحاته الكبيره- هو “العاصفة الدائمة” (perennial gale) التي تحدث عنها شومبيتر في نظريته.
ما المبرر لاستحضار فكر اقتصادي تنظيري؟! منذ إعلان قرع جرس إدراج “سبيس إكس” قفز لذهني سؤال: هل إيلون ماسك هو قارون هذا الزمان؟ عبر التاريخ، كانت معظم الثروات الكبرى تعتمد على استخراج الريع من موارد قائمة نتيجة احتكارات من نوع أو آخر، لا على خلق قيمة جديدة. قارون -المذكور في سورة القصص في القرآن الكريم- يُعد النموذج القرآني الأوضح للثروة غير الريادية، إذ أُعطي كنوزا هائلة حتى إن مفاتيحها تثقل على العصبة من الرجال الأشداء. وذكر ابن كثير أن مفاتيح خزائنه كانت من الجلود، وأن حملها يحتاج إلى ستين بغلا أو أكثر، لكن ثروته لم تكن ناتجة عن ريادة أو ابتكار أو استثمار جريء، بل هبة إلهية تحولت إلى رأسمال جامد، نسبها إلى “علمه الشخصي” ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾، واستخدمها في التباهي والاستعلاء دون أي إحسان أو استثمار منتج، فكانت ثروته ريعية ساكنة، أدت إلى فساد اقتصادي واجتماعي وانتهت بخسف الأرض به وبداره. 
في المقابل، يجسد إيلون ماسك الريادة كمورد حاسم لتوليد القيمة الاقتصادية، وفق المفهوم المركزي في نظرية الاقتصادي شومبيتر، الذي كان يرى أن الرأسمالية ليست نظاما ثابتا يسعى إلى التوازن كما يتصوره الاقتصاديون التقليديون مثل جون ميرلاند كينز، بل عملية تطور دائمة مدفوعة بـالتدمير الخلاق (Creative Destruction)، حيث يقوم الرياديون بدور المحفز الرئيس للتغيير من خلال ابتكارات “من خارج الصندوق” تدمر الهياكل القديمة وتخلق هياكلا جديدة أكثر كفاءة وقيمة. وضمن هذا الإطار، لم يرث ماسك ثروة ولم يعتمد على موارد طبيعية أو احتكار، بل بنى إمبراطوريته من خلال الريادة الإبداعية، عبر إعادة تخصيص رأس المال الجريء مرات عديدة. بعد بيع “Zip2” و “PayPal”، أعاد استثمار نحو 180 مليون دولار في مشاريع عالية المخاطر: SpaceX (2002)، وTesla (2004)، وStarlink، وNeuralink وxAI. ثروته التي تجاوزت التريليون دولار ليست نقدًا مخزنًا، بل قيمة سوقية (equity value) لأصول إنتاجية تخلق تقنيات جديدة وتُحدث “تدميرًا خلاقًا”، ويستمر ماسك في توجيه معظم ثروته نحو إعادة الاستثمار الريادي لحل تحديات وجودية كبرى: الطاقة المستدامة، واستعمار الفضاء، والذكاء الاصطناعي، وهو ما يحوّل الريادة إلى أداة مستدامة لتوليد قيمة طويلة الأجل.
وهكذا، فالإجابة عن سؤالي “هل إيلون ماسك قارون هذا العصر؟”، أن إيلون ماسك ليس قارون بل “العاصفة الدائمة”، التي تحدث عنها شومبيتر، والتي قد تؤدي في نهاية المطاف إلى زعزعة أسس الرأسمالية كما نعرفها، فلك أن تتخيل لو أن في العالم ألف إيلون ماسك، عندها ماذا سيحدث؟ من سيسيطر على استقرار الاقتصاد العالمي إن كان الأساس لهؤلاء الألف هو السعي المتواصل للتدمير الخلاق؟!
قارون كان دائما نموذجا الثروة الهائلة التي لم تولّد أثرا مستداما. أما الريادة -كما يجسدها ماسك- فهي المورد الحقيقي والأكثر فعالية لتوليد القيمة في الاقتصاد الحديث. طبقا لرؤية شومبيتر، فإن التدمير الخلاق الناتج عن الحراك الريادي المعاصر، خصوصا في مجال الذكاء الاصطناعي، سيؤدي إلى إعادة هيكلة اقتصادية عميقة: ارتفاع كبير في الإنتاجية وظهور صناعات جديدة، مصحوبًا بتداعيات اجتماعية واقتصادية مؤلمة مثل البطالة التقنية، وزيادة اللامساواة، وتحولات في سوق العمل تتطلب تكيفا مجتمعيا سريعا قد لا تتمكن المجتمعات من مواكبته. وفي النهاية، قد يؤدي هذا الحراك إلى تغيير طبيعة الرأسمالية نفسها مقوّضًا أسسها الاجتماعية ليحل محلها التحول الريادي الكبير، عندما يصبح تعداد إيلون ماسك ألفًا من البشر.

 

*مؤسس مركز جواثا الاستشاري

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .