قد يستغرب البعض اختياري للحديث عن المقبرة، وربما يتساءل: لماذا هذا العنوان؟ ولماذا العودة إلى مكانٍ ارتبط في أذهان الناس بالحزن والوداع؟
لكن المقبرة ليست مجرد أرضٍ يُوارى فيها الثرى، بل هي ذاكرة قريةٍ بأكملها، وسجلٌ صامتٌ يحفظ أسماء من رحلوا، ويختزن قصص الرجال الطيبين، وأصوات المشيعين، ودعوات الأمهات، ودموع الفقد التي امتزجت بالصبر والإيمان.
ففي مقبرة كرانة يرقد الآباء والأجداد والأحبة، وهناك صفحاتٌ من تاريخ القرية كُتبت بصمتٍ ووفاء، وشهدت على رجالٍ أفنوا أعمارهم في خدمة الناس عند الشدائد، دون انتظار جزاءٍ أو شكر.
ومن الوفاء أن نذكر أولئك الذين حملوا أثقل المهمات وأشرفها؛ فكانوا سنداً للناس في لحظات الفقد والألم.
حافرو القبور
١- المرحوم الحاج إبراهيم الشيخ
٢- المرحوم الحاج علي مبارك
٣- المرحوم الحاج عبدالله أسديف
مغسلو الموتى
١- المرحوم الحاج مرهون أحمد مرهون وزوجته
٢- المرحوم الحاج كاظم أحمد مرهون
٣- المرحوم الحاج حسن ميلاد
٤- المرحوم الحاج حسن الصيبعي
٥- المرحومة الحاجة أم إبراهيم المنامي
٦- المرحوم الحاج عيسى العقادي
٧- المرحوم الحاج عيس الصيبعي
هؤلاء الرجال والنساء أدّوا رسالةً عظيمةً بصمتٍ وإخلاص، فكانوا يودّعون الراحلين بقلوبٍ مؤمنة، ويقفون إلى جانب أهل المصاب في أصعب اللحظات.
هؤلاء الرجال و النساء لم يكونوا مجرد عمّالٍ أو مؤدين لواجب، بل كانوا أصحاب رسالةٍ إنسانيةٍ عظيمة، يعيشون مع الموت كل يوم، حتى صاروا أكثر الناس معرفةً بحقيقة الدنيا وزوالها. رحل كثيرٌ منهم اليوم، ودُفنوا في ذات المقبرة التي خدموها سنواتٍ طويلة، وكأن الأرض التي فتحوا فيها القبور للناس احتضنتهم أخيرًا بكل وفاء. رحمهم الله
وما زالت المقبرة تحتفظ بعبق الماضي؛ فكل زاويةٍ فيها تحمل حكاية، وكل ممرٍّ يختزن ذكرى، وكل قبرٍ يروي قصة إنسانٍ عاش بين أهله وأحبته ثم رحل تاركًا أثره وسيرته.
رحمهم الله جميعاً رحمةً واسعة، وجزاهم عن أهل كرانة خير الجزاء، وجعل ما قدموه في ميزان حسناتهم، وحشرهم مع محمدٍ وآل محمد في جنات النعيم.
الفاتحة إلى أرواحهم الطاهرة
ولا يفوتني في هذا المقام أن أذكر بكل إجلالٍ وتقدير الجهود المخلصة التي بُذلت وما زالت تُبذل في خدمة مقبرة كرانة، من تنظيمٍ وعنايةٍ ونظافةٍ وصيانةٍ ومتابعةٍ دائمة، وهي أعمالٌ قد لا تتصدر المشهد، لكنها عند الله عظيمة، وعند أهل القرية محل احترامٍ وامتنان.
فقد حمل هؤلاء الإخوة الأمانة بإخلاص، وجعلوا من خدمة المقبرة واجباً إنسانياً وأخلاقياً ودينياً، فاستحقوا من الجميع الدعاء والثناء. وإن أهالي كرانة ليبادلونهم المحبة والتقدير، ويثمنون ما يقدمونه من وقتٍ وجهدٍ وعطاءٍ في سبيل الحفاظ على حرمة هذا المكان وكرامة من يرقدون فيه.
فلهم منا جميعاً خالص الشكر والعرفان، وجزاهم الله خير الجزاء، وكتب لهم أجر الخدمة والإحسان، وجعل أعمالهم هذه نوراً لهم يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم
وفي ختام هذا الحديث، أرجو أن أكون قد وفقت في الوفاء لجزءٍ يسير من حق مقبرة كرانة، هذه البقعة المباركة التي تحتضن آباءنا وأجدادنا وأحبتنا، وتحمل بين ثراها صفحاتٍ من تاريخ القرية وذاكرتها الإنسانية والإيمانية.
وإن كان في هذا المقال فضلٌ أو توفيقٌ فمن الله سبحانه وتعالى، وإن كان فيه نقصٌ أو تقصيرٌ فالعذر منكم أيها الأحبة، فالمقصد هو حفظ الجميل لأهله، وتوثيق شيءٍ من سيرة رجالٍ ونساءٍ خدموا مجتمعهم بصمتٍ وإخلاص، وتركوا بصماتٍ لا تمحوها الأيام.
كما أرجو من الإخوة الكرام تصويب ما ورد، وإضافة ما غاب عن الذاكرة من أسماءٍ أو مواقف أو معلومات، فالتاريخ أمانة، والوفاء لأهل العطاء واجب، وما كتبته ليس إلا بدايةً لحديثٍ أطول عن رجالٍ يستحقون أن تظل أسماؤهم حاضرةً في الوجدان.
رحم الله من واراهم الثرى، وحفظ الله الأحياء، وجعل كرانة وأهلها دائماً من أهل المحبة والوفاء
خاتمة
هذا أول مقالٍ لي يُنشر في صحيفة البلاد، وهي لحظة أعتز بها وأحمد الله عليها. وأسأل الله أن يجعلها بداية طريقٍ طويلٍ في خدمة البحرين بقلمي، وأن يوفقني لكتابة ما يحفظ تاريخها، ويوثق تراثها، وينقل للأجيال القادمة سيرة أهلها الطيبين الذين صنعوا هذا الوطن بالمحبة والعطاء والإخلاص.
إن البحرين ليست مجرد جزيرةٍ على خارطة، بل وطنٌ يسكن القلوب، وتاريخٌ يروي قصص الآباء والأجداد، وأرضٌ أنجبت رجالًا ونساءً تركوا بصماتهم في الدين والعلم والثقافة والمجتمع. وأتمنى أن أكون قادرًا على تسليط الضوء على هذه الصفحات المشرقة، وأن أكتب عن القرى والمدن، والمآتم والمساجد، والعادات والتقاليد، وعن كل ما يشكل ذاكرة البحرين وهويتها الأصيلة.
أسأل الله أن يبارك هذا الجهد المتواضع، وأن يمدني بالعون والتوفيق لأواصل الكتابة عن البحرين وأهلها الأوفياء، وفاءً لوطنٍ أعطانا الكثير، واستحق منا أن نكتب عنه بكل حبٍ واعتزاز
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |